فإنْ ظفرتَ بالشطرين جميعاً فقد حَصَلْتَ على التقوى حقّا ، وإنْ اقتصرتَ على الأوّل كنتَ مغروراً ، ومَثَلُكَ في ذلك : كمثل من زرع زرعاً فنبت ونبت معه حَشيش يُفْسِدُه فأُمِر بتنقيته من أصله فأخذ يَجُزّ رأسه ويَتْركُ أصله ، فلا يزال يَنْبُتُ ويقوى أصلُه حتّى يُفسِده ؛ أو كمريض ظَهَرَ به الجَرَبُ وقد أُمِرَ بالطلاء وشربِ الدواء ، فالطلاء لِيُزيلَ ما على ظاهره ، والدواءُ ليقلَعَ مادّتَه من باطنه ، فقَنعَ بالطلاء وتَرَكَ الدواءَ ، وبقي يتناول ما يزيد المادّة ، فلا يزالُ يَطْلِي الظاهرَ والجَرَبُ دائم به يتفجّر من المادّة في الباطن .
أو كمن بنى داراً وأحكمها ولكن في داخلها حشرات ساكنة من الحيّات والعقارب والجراد وغيرها ، فأخذ في فرشها وسترها بالفُرُش الحسنةِ والستور الفاخرة ، ولا تزال الحشرات تظهر من باطنها فتقطع الفرش ، وتخرق الستور ، وتصل إلى بدنه باللسع ، ولو عقل لكن همّه أوّلاً دفع هذه المؤذيات قبل الاشتغال بفرشها ؛ ليحفظ ما يضعه فيها ، ويسلم هو من أذاها ولسعها ، بل أيّ نسبة بين لَسْع الحيّات في دار الدنيا الذي ينقضي ألَمُه في مدّة يسيرة ولو بالموت الذي هو أقرب من لمح البصر ، وبين لَسْع حيّات المعاصي التي يبقى ألَمُها في نار جهنّم ؟ ! نعوذ بالله تعالى منه ، ونسأله العفو والرحمة .
ثمّ القول في قسم الاكتساب موكول إلى كتب العبادات ، وإنْ افتقرنا في ذلك إلى وظائف قلبيّة ، ودقائق علميّة وعمليّة لم يدوّنها كثير من الفقهاء ، وإنّما يفتح بها على من أخذ التوفيق بزمام قلبه إلى الهداية إلى الصراط المستقيم .
وأمّا شطر الاجتناب فمنه ما يتعلَّق بالجوارح ، ومنه ما يتعلَّق بالقلب :
[ المعاصي الناشئة عن الجوارح ]
فأمّا الجوارح التي تتعلَّق بها المعصية وهي السبعة التي هي بمقدار أبواب
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 810
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٨١٠