كما يقولُه الحنفي ( 1 ) ، ولا جوفَه ولا حضورَ أربعينَ كما يقوله الشافعي ( 2 ) ، ويَكتَفونَ في إيجابِها بإمامٍ يَقتدِي به أربعةُ نَفَرٍ مُكَلَّفِين بها ، فَيَظْهَرُ بذلك كونُهم أكثرَ إيجاباً مِنَ الجُمهورِ . وإنّما مَنَعَهُم مِنْ إقامِتها غالباً ما ذكرناه مِنْ فِسْقِ الأئمّةِ . على أنّا قد بَيّنّا أنّ الأئمّةَ عليهم السلامُ أنكروا على تَركِها زيادةً على ما ذُكِرَ في الحديثينِ ، وصرّحوا بوجوبِها على كلّ أحدٍ كما أشرنا إليه في الأخبارِ المتقدّمةِ . وقولُه عليه السلام : « لا يُعْذَرُ الناسُ فيها » ( 3 ) ، وقولُ الباقرِ عليه السلام : « مَنْ تَرَكَ الجمعةَ ثلاثَ جُمَعٍ مُتواليةٍ طَبَعَ اللهُ على قَلبه » ( 4 ) . فأيّ مبالغةٍ ونكيرٍ أعظمُ من هذا ؟ وأيّ مناسبةٍ فيه للواجبِ التخييري ؟ لأنّ تَرْكَ فردٍ منه إلى الفردِ الآخرِ جائز إجماعاً لا يجوز ترتّب الذَّمّ عليه قطعاً . وأبلَغُ مِنْ ذلك قولُ النبيّ صلَّى اللهُ عليه وآله في خُطبةٍ طويلةٍ حثّ فيها على صلاةِ الجمعةِ منها : إنّ اللهَ تعالى قد فَرَضَ عليكم الجمعةَ فَمَنْ تَركَها في حَياتي أو بعدَ مَوتي استخفافاً بِها أو جُحوداً لَها فلا جَمَعَ اللهُ شَمْلَه ولا بارك له في أمرِه ، ألا ولا صلاةَ له ألا ولا زكاةَ له ألا ولا حجّ له ألا ولا صومَ له ألا ولا بِرّ له حتّى يتوبَ ( 5 ) .
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج ) — صفحة 190
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١٩٠
هامش
( 1 ) « مبسوط السرخسي » ج 2 ، ص 23 « بداية المجتهد » ، ج 1 ، ص 159 وحكاه عنه الشيخ في « الخلاف » ج 1 ، ص 597 ، المسألة 358 .
( 2 ) « الأُمّ » ج 1 ، ص 190 « المجموع » ج 4 ، ص 502 « بداية المجتهد » ج 1 ، ص 158 وحكاه عنه الشيخ في « الخلاف » ج 1 ، ص 598 ، المسألة 359 .
( 3 ) سبق تخريجه في ص 8 ، التعليقة 4 .
( 4 ) سبق تخريجه في ص 9 ، التعليقة 3 .
( 5 ) « سنن ابن ماجة » ج 1 ، ص 343 ، ح 1081 ، باب في فرض الجمعة « سنن البيهقي » ج 3 ، ص 171 ، كتاب الجمعة .