وحديث : « خذ ما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذَّ النادر » ( 1 ) مورده اختلاف الروايتين ، وأمّا في مدلول الرواية فليست الشهرة دليل الرجحان ، فربّ مشهور لا أصل له ، بل على ذي الرواية ومَنْ أفاض الله عليه الملكة القدسيّة إمعان النظر في دلائل العترة المحمّدية ومعاريض كلام الذريّة العلويّة ، فقد ورد عن الصادق عليه السلام : « إنّكم لن تكونوا فقهاء حتى تعرفوا معاريض كلامنا » ( 2 ) ، ولا ينظر إلى مَنْ قال ، بل ينظر إلى ما قيل ( 3 ) ) . أقول : فيه أوّلًا : مَنْ نظر ببصر البصيرة الثاقبة ، وأعمل عامل الفكرة الثاقبة ، وسرّح بريد الرؤية في فيافي المقبولة الحنظليّة والمرفوعة الزراريّة ، أنْ لا دلالة فيهما على الاختصاص بصورة الترجيح حال تعارض الأخبار المرويّة .
دلالة المقبولة الحنظلية
أمّا المقبولة ، فقصارى ما دلَّت عليه النهي عن التحاكم عند قضاة الجور المستبدّين بالأهواء والآراء والمستمدّين من شراب الشيطنة والنكراء ، والأمر بالرجوع إلى مَنْ استند في فتاواه وأحكامه إلى سادات الورى ، فهي ظاهرة في شهرة الفتويين ، والقول باختصاصها بترجيح الروايتين لا أثر له ولا عين .
فدونكها مجلوّة الأشراف ، محمودة الأطراف ، فاستقبل غرّتها بوجه الألطاف ، وإستنطقها بقصد الإنصات والإنصاف ، تظفر منها بالنصيب الأوفى ، والكأس الأصفى ، وهي بحذف الأسناد :
عن عمر بن حنظلة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة إلى أنْ قال - : فكيف يصنعان ؟
قال : « ينظران مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرضوا به حاكماً » إلى أنْ قال - : فإنْ كان كلّ رجل اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أنْ يكونا الناظرين في حقهما ، فاختلفا في ما حكما ، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟
هامش
( 1 ) غوالي اللآلئ 4 : 133 / 229 .
( 2 ) معاني الأخبار : 2 / 3 .
( 3 ) غرر الحكم ودرر الكلم : 744 / 40 ، بالمعنى .