فلما رأى سبحانه طول تضرعهم رخص لهم في دخول حرمه في المشعر الحرام وهو أقرب من الساحة الأولى فلما تضرعوا فيها أذن لهم في الدخول إلى محل تقربهم بالقربان فلما قربوا قربانهم وذبحوا هديهم أذن لهم أن يدخلوا المسجد الحرام ويطوفوا بيته المكرم « وفرار إليه من ذنوبك » كما قال تعالى : ( فَفِرُّوا إِلَى الله ) ( 1 ) كما تقدم في الخبر أن المراد به الفرار من الذنوب إلى حج بيت الله الحرام ففي هذا النداء من الألطاف ما لا يخفى .
« وفيه قبول توبتك » أي أصل الحج توبة وفرار من الذنوب ، ولما كان بقوله تعالى فالبتة يقبل التوبة لأن الكريم لا يخلف وعده سيما أكرم الأكرمين ( أو ) يصير الحج سببا للتوبة المقبولة لأنه يحصل للعبد من التقرب إليه تعالى ما يعلم قبح المخالفة ويجزم بأنه لا يخالفه تعالى أبدا ( أو ) إذا تاب في ذلك المكان الشريف فلا شك أنه يقبل توبته « وقضاء الفرض » يعني أن لطفه تعالى اقتضى أن يفرض عليك الحج لوجوه وحكم لا تتناهى تقدم بعضها فإذا أديته قضيت فرض الله عليك مع قطع النظر عن الحكم الكثيرة المنطوية فيه فإن أفضل العبادات عبادة لا يعرف العبد حكمتها لأنه إذا عرف الحكمة فإنما يفعله لها وإذا لم يعرف يفعله لمحض الطلب .
« وحق الصوم أن تعلم أنه حجاب إلخ » لما كانت النفوس مولعة بالشهوات اقتضى الحكمة تكليفها بتركها مدة ليسهل عليهم باقي التكاليف فإن البطن والفرج مادتا الشهوات ، والبطن مادة الفرج فإنه إذا شبع البطن جاع جميع الجوارح ، فالفرج يريد أن يجامع والبصر يريد أن ينظر والسمع يريد أن يسمع إلى غير ذلك
هامش
( 1 ) الذاريات - 50 .