يجود بأنفاسه ، فقال له : يا أمير المؤمنين استخلف على أمة محمد ، فإنه لو جاءك
راعى إبلك أو غنمك ، وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته ، وقلت له :
كيف تركت أمانتك ضائعة ؟ فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد ؟ ، فأجابه عمر : إن
أدع فقد ودع من هو خير مني - يعني الرسول - وإن أستخلف فقد استخلف من هو
خير مني - يعني أبا بكر - ( 1 ) .
وروى ابن قتيبة : أن عمر لما أحس بالموت قال لابنه عبد الله : إذهب إلى عائشة
وأقرأها السلام ، واستأذنها أن أقبر مع رسول الله ومع أبي بكر . فأتاها
عبد الله ، فأعلمها فقالت : حبا وكرامة ، ثم قالت : يا بني أبلغ عمر سلامي
وقل له لا تدع أمة محمد بلا راع ، . . استخلف عليهم ، ولا تدعهم بعدك هم ،
فاني أخشى عليهم الفتنة ! ! فأتى عبد الله عمر فأعلمه فقال عمر : ومن تأمرني أن
أستخلف لو أدركت ؟ . . . الخ ( 2 ) .
وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف عن ابن عباس قال ، قال : عمر لا أدري ما
أصنع بأمة محمد ، وذلك قبل أن يطعن ؟ فقلت : ولم تهتم وأنت تجد من
تستخلفه ؟ ( 3 ) .
وقد رأينا أن عبد الله بن عمر وصف حالة ترك الأمة بدون راع بأنها تضييع
للأمانة ، وأنها تفريط ، وأنها محل لوم يترفع عن الوقوع فيها راعي الإبل أو
راعي الغنم ، وأن ترك الأمة يبدون راع يعني تركهم هم ، على حد تعبير
عائشة ، ويؤدي إلى الفتنة حسب توقعها ! ! ! .
فهل يعقل بربكم أن يكون راعي الغنم أو الإبل ، أو عبد الله بن عمر ، أو أم
المؤمنين أبعد نظرا ، وأدرك لعواقب الأمور من رسول الله ( ص ) ، وهو صفوة
الجنس البشري ؟ ! ! ، وهل يعقل أن يكون ابن عمر أو أبوه أو أم المؤمنين أو ابن
أبي قحافة أكثر رحمة من النبي بأمته ؟ ! ! .
ثم إن فكرة ترك الرسول للأمة دون أن يعين خليفة من بعده ، أو يبين على
الأقل طريقة تعيينه : فكرة تتعارض مع كمال الدين وتمام النعمة ! ! وهل يعقل
أن يبين الرسول المهم ويترك الأهم ؟ ! ! ( 4 ) .
أخرج الطبري في الرياض النضرة ( 5 ) ، كما أخرج أبو ذر عن ابن عمر أنه قال :
لما طعن عمر قلت : يا أمير المؤمنين لو أجهدت نفسك وأمرت عليهم رجلا ؟ فقال
عمر : والذي نفسي بيده لأردنها للذي دفعها إلي أول مرة ، - ويقصد به عثمان
- : حيث كلفه أبو بكر بكتابة عهده فقال لعثمان : أكتب - إني قد وليت عليكم
- ثم أغمي على أبي بكر من شدة الوجع ، فكتب عثمان -
هامش
1 - مروج الذهب 2 / 253 .
2 - الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص 22 ، وأعلام النساء 2 / 786 .
3 - أنساب الأشراف للبلاذري 5 / 16 .
4 - راجع الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية ص 371 وما فوق : تجد التنظير المنطقي
لهذه الشائعة .
5 - الرياض النضرة لمحب الدين الطبري ج 2 ص 74 .