وكانت هذه الفترة التي دامت من الثالث من ذي الحجة سنة 158 ه حتى 22 محرم سنة 169
ه تعتبر من أيسر فترات الحكم العباسي : بالنسبة للامام وللطالبيين ، الا أن خوفه من
شخصية الإمام موسى بن جعفر وقوة تأثيره لم يدعه وشأنه ، ولم يفرغ قلبه من كراهية
الطالبيين ، والخوف من ثورتهم والتفاف جماهير الأمة ووجهائها حولهم ، فتعرض للامام
الكاظم وطلب من واليه على المدينة أن يبلغ الإمام موسى بن جعفر للحضور إلى بغداد
للمحاكمة والسجن ، وكان ما أراد المهدى ، فقد توجه الوالي بالطلب إلى الامام ، في أن
يتوجه إلى بغداد للحضور أمام المهدى العباسي ، فشد الامام رحال السفر ، وراح يطوى
الفيافي والبيد مظلوما محتسبا ، وسار ركبه ( ع ) وسارت معه قلوب شيعته وأتباعه خائفة
وجلة ، الا أنه كان مطمئنا إلى أن يد المهدى العباسي سوف لن تصل إليه بسوء ، فأكد
ذلك لاحد خواصه ومريديه .
وصل الامام بغداد عاصمة الخلافة العباسية فأمر المهدى بالقبض عليه ، وزجه في السجن ،
ولكن عناية الله أكبر من كيد الظالمين ، وحراسته لأوليائه أغلب من قوة الطغاة
ووسائل تسلطهم .
لقد حدثت كرامة غيبية للإمام موسى بن جعفر ( ع ) إذ رأى المهدى بعد سجنه للامام ،
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) في المنام ، وهو يقول له .
يا محمد ( هل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) ؟ .
ففزع المهدى وقام من نومه مذعورا ، فاستدعى حاجبه الربيع وأمره باطلاق سراح
الإمام ( ع ) ( 1 ) .
وهكذا خرج الامام من السجن وعاد إلى مدينة جده ، رسول الله ( ص ) ليواصل مهام الإمامة
ومسؤولياتها العلمية والتوجيهية .
وبعد هلاك المهدي خلفه ابنه موسى الهادي ، وكانت فترة حكمه من الفترات القاسية
الرهيبة في تاريخ الطالبيين ، فقد استمر الحاكم على سياسة آبائه في كراهية العلويين
- آل علي بن أبي طالب ( ع ) - وعامة الطالبيين ، ومحاربتهم والتضييق عليهم ، مما اضطر
العلويين وأتباعهم إلى اعلان الثورة عليه بقيادة الحسين بن علي الخير صاحب فخ سنة
169 ه في عهد الإمام موسى بن جعفر ( ع ) .
ونظر لأهمية هذه الثورة واعتبارها عينة تاريخية معبرة عن روح الصراع بين خط أهل
البيت ( ع ) ، وخط الحكام المنحرفين طوال فترة الحكمين الأموي والعباسي ، ونظرا
لعلاقتها بشخص الامام وعصره ، وأهميتها في مسيرة الصراع في ذلك العصر ، وشخوصها
معلما من معالم الجهاد والشهادة ، من أجل الدفاع عن الاسلام ، ونظرا لخلودها نجما
مضيئا في تاريخ الثوار المسلمين ، سنذكرها بشئ من التفصيل لتكون درسا ملهما من
مدرسة الاسلام لكل أجيال المسلمين ودعاة الاسلام ، وحملة لواء الجهاد والشهادة من
أجل الحق .
هامش
1 - ابن خلكان / وفيات الأعيان / ج 5 ص 308 .