جانبا منه آنفا منه آنفا من جهة ، وطبيعة الثورات وشخصية القيادات التي تقودها من
جهة أخرى ، فزيد الثائر القائد هو الذي وصفه أبو الجارود بقوله : .
قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن ( 1 ) .
ووصفه الطبري بقوله : وكان عابدا ، ورعا ، سخيا ، شجاعا .
وهو الذي أيده ومال إليه أبو حنيفة النعمان بن ثابت مؤسس المذهب الحنفي ، فأفتى
بصرف الزكاة لنصرة زيد ، وحوكم وأوذي بسببها ، وقد سجل كثير من المؤرخين والكتاب
هذه الحقيقة ، نذكر منهم الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم الذي كتب في دور فقيه المذهب
الحنفي ورأيه في الحكم الأموي ، وفي ثورة زيد ، وحق آل البيت ( ع ) بالخلافة : .
وكان ينكر - يعنى أبا حنيفة - على بنى أمية استيلاءهم على منصب الخلافة بغير حق ،
واستيلاءهم على السلطة بقوة السيف وادهاء ، لذلك كان ميالا بقلبه نحو الإمام علي بن أبي
طالب وأبنائه ( ع ) الذين ذهبوا ضحية ظلم الأمويين وعسفهم ، وكان أشد ما يحزن
أبا حنيفة مقتل زيد بن علي زين العابدين ، الذي كان في نظره إماما عادلا جديرا
بالخلافة لمناقبه الباهرة ، وظل أبو حنيفة على ولائه لآل البيت وعدائه للأمويين
حتى أنه رفض أن يشغل أي منصب في دولتهم ، وكان يظهر أحيانا خلال دروسه بعاطفته
وميله نحو العلويين ، الامر الذي جعل ابن هبيرة والى الكوفة ينقم عليه ، وظل يراقبه
ويتلمس له أي خطأ يقع منه لكي يعاقبه ، فلما كلفه بتولي القضاء ورفض ، اعتبر ابن
هبيرة ذلك عدم ولاء للدولة ، فضربه وسجنه ، واستطاع أبو حنيفة بمساعدة حارس السجن أن
يهرب ويلجأ إلى مكة ليقيم فيها ، وظل فيها إلى أن قامت الدولة العباسية ، واستتب
لها الأمر فعاد إلى الكوفة ( 2 ) .
ثورة زيد بن علي ( ع ) سنة 121 ه . :
في هذه الظروف القاسية المرعبة قرر زيد اعلان الثورة والانطلاق من الكوفة ، وكان
الجميع يعلقون آمالهم على ثورة زيد ، ويلحون عليه بالإسراع والاستجابة .
ولم يكن زيد ليعلن الثورة من أجل أن يتولى الخلافة والإمامة بنفسه ، بل كان يدعو
إلى الرضي من آل محمد - أي خيرة آل محمد ( ص ) - ، وكان يعرف أن أخاه الباقر ( ع ) هو
امام آل محمد ( ص ) في عصره ، وقد حدث زيد أخاه الباقر ( ع ) بذلك واستشاره ، وكان ينوى
تسليم الامر إليه بعد نجاح الثورة ، الا أن الإمام الباقر ( ع ) أخبره بأنه روي عن
آبائه عن جده رسول الله ( ص ) مدة حكم بنى أمية ، وأنه يقتل ان هو تصدى
هامش
1 - أبو الفرج الأصفهاني / مقاتل الطالبين / ص 135 .
2 - محمد إسماعيل إبراهيم / أئمة المذاهب الأربعة / ص 48 مصطفى الشكعة / الأئمة
الأربعة / ط 1 دار الكتاب اللبناني / ص 114 - 116 ، بلفظ آخر . ابن خلكان / وفيات
الأعيان / ج 5 / ص 406 ، وجاء فيه أن ابن هبيرة ضربه ( 110 ) أسواط ، في كل يوم عشرة
أسواط ، الا أنه أصر على رفضه منصب القضاء .