كان عبد الله بن عمر إذا لقي عبد الله بن جعفر يقول له : السلام عليك يا بن ذي
الجناحين .
قلت : وأخبار عبد الله بن جعفر في الكرم كثيرة ، وكان بدعوة النبي صلى الله عليه
وآله وسلم من أيسر بني هاشم وأغناهم ، وله في المدينة وغيرها قرى وضياع
ومتاجرة ، عدا ما كانت تصله من الخلفاء من الأموال ، وكان بيته محط آمال المحتاجين ،
وكان لا يرد سائلا قصده ، وكان يبدأ الفقير بالعطاء قبل أن يسأله ، فسئل عن ذلك فقال :
لا أحب أن يريق ماء وجهه بالسؤال ، حتى قال فقراء المدينة بعد موته : ما كنا نعرف
السؤال حتى مات عبد الله بن جعفر .
ويحكى أن الفرزدق الشاعر أتى عبد الملك بن مروان يستميحه ، فأبى أن يعطيه شيئا ، فقال
له عبد الله بن جعفر : ما كنت تؤمل أن يعطيك ؟ فقال : كنت أؤمل أن يعطيني ألف دينار
في كل سنة ، قال : فكم تؤمل أن تعيش في الدنيا يا أبا فراس ؟ قال : أؤمل أن أعيش في
الدنيا أربعين سنة ، فنادى عبد الله بن جعفر غلامه : يا غلام على بالوكيل ، فأتاه
وكيله ، فقال له : خذ الفرزدق وأعطه أربعين ألف دينار ، فقبضها ومضى .
ومما يدل على سؤدده ومجده وفصاحته وبلاغته : ما رواه ابن أبي الحديد في شرح
النهج عن المدائني قال : بينا معاوية يوما جالس وعنده عمرو بن العاص إذ قال الآذن :
قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فقال عمرو : والله لأسوئنه اليوم ، فقال
معاوية : لا تفعل يا أبا عبد الله ، فإنك لا تنتصف منه ، ولعلك أن تظهر لنا من مغبته
ما هو خفي عنا وما لا نحب أن نعلمه منه ، وغشيهم عبد الله بن جعفر ، فأدناه معاوية
وقربه ، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من علي عليه السلام جهارا غير ساتر له ،
وثلبه ثلبا قبيحا ، فالتمع لون عبد الله واعتراه افكل حتى أرعدت خصائله ، ثم نزل عن
السرير كالفنيق فقال عمرو : مه يا أبا جعفر ، فقال له عبد الله : مه لا أم لك ، ثم قال : .
أظن الحلم دل على قومي * وقد يتجهل الرجل الحليم .
ثم حسر عن ذراعيه وقال : يا معاوية حتام نتجرع غيضك ، والى كم الصبر على مكروه
قولك ، وسئ أدبك ، وذميم أخلاقك ، هبلتك الهبول ، أما يزجرك ذمام المجالسة من القذع
لجليسك إذا لم يكن له حرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك ؟ أما والله لو عطفتك أواصر
الأرحام أو حاميت على سهمك من الاسلام ما أرخيت لبني الإماء المتك والعبيد المسك
اعراض قومك ، وما يجهل موضع الصفوة الا أهل نجوة ، وانك لتعرف رشائط قريش ، وصقوة
عرائرها ، فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك في سفك دماء المسلمين ، ومحاربة
أمير المؤمنين ، إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه ، فاقصد لمنهج الحق ، ، فقد
طال عمهك عن سبيل الرشد ، وخبطك في ديجور ظلمة الغى ، ، فإن أبيت الا أن تتابعنا في
قبح اختيارك لنفسك فاعفنا عن سوء القالة فينا إذا ضمنا وإياك الندي ، وشأنك
وما تريد إذا خلوت : ، والله حسيبك ، فوالله لولا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك ،
ثم قال : انك ان كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق ، فقال معاوية : يا أبا
جعفر لغير الخطأ أقسمت عليك لتجلسن ، لعن الله من أخرج ضب صدرك من وجاره ، محمول لك
ما قلت ، ولك عندنا ما أملت ، فلو لم يكن مجدك ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك
إلينا ، وأنت
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ — صفحة 175
مساهمون: السيد لطيف القزويني
ص١٧٥