وجوههن ، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ،
ويتصفح وجوههن القريب والبعيد ، والدني والشريف ، ليس معهن من رجالهن ولي ، ولا من
حماتهن حمي ؟ وكيف يرتجى مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من
دماء الشهداء ؟ ! وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن
والإحن والأضغان ؟ ! ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم .
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل .
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله - سيد شباب أهل الجنة - تنكثها بمخصرتك ( 1 ) ، وكيف لا
تقول ذلك وقد نكأت القرحة ( 2 ) ، واستأصلت الشأفة ( 3 ) ، بإراقتك دماء ذرية محمد صلى
الله عليه وآله وسلم ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ؟ وتهتف بأشياخك زعمت أنك
تناديهم ، فلتردن وشيكا ( 4 ) موردهم ، ولتودن أنك شللت وبكمت ، ولم تكن قلت ما
قلت ، وفعلت ما فعلت ، اللهم خذ لنا بحقنا ، وانتقم ممن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك
دماءنا ، وقتل حماتنا ، فوالله يا يزيد ما فريت ( 5 ) إلا جلدك ، ولا حززت إلا لحمك ،
ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما تحملت من دماء ذريته ، وانتهكت
من حرمته في عترته ولحمته ، حيث يجمع الله تعالى شملهم ، ويلم شعثهم ، ويأخذ بحقهم
( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ،
وحسبك بالله حاكما ، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم خصيما ، وبجبرائيل ظهيرا ،
وسيعلم من سول لك وأمكنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلا ، وأيكم شر مكانا
وأضعف جندا ، ولئن جرت علي الدواهي ( 6 ) مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك ، وأستعظم
تقريعك ، وأستكثر توبيخك : لكن العيون عبرى ، والصدور حرى ، ألا فالعجب كل العجب
لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنطف ( 7 ) من دمائنا ،
والأفواه تتحلب ( 8 ) من لحومنا ، وتلك
هامش
1 - المخصرة بكسر الميم : كالسوط ، وكلما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصي ونحوها ،
وكانت الخلفاء تحمل هذه المخصرة .
2 - نكأت القرحة بالهمزة من باب منع : كثر جراحها .
3 - استأصلت الشأفة ، استأصل الشئ : إذا قطعه من أصله ، قال في القاموس : الشأفة قرحة
تخرج في أسفل القدم فتكوى وتذهب ، وإذا قطعت مات صاحبها ، والأصل : استأصل الله
شأفته : أذهبه كما تذهب تلك القرحة ، أو أزاله من أصله .
4 - وشيكا ، أي : سريعا .
5 - الفري : القطع .
6 - الدواهي جمع داهية ، وهي النازلة بالانسان من بلاء وغيره ، ومخاطبتك إما بالرفع
فاعل جرت ، أي : ان أوقعت مخاطبتك علي النوازل فلست أبالي بك ولا أعظم قدرك ، أو بالنصب
مفعول ، والفاعل الدواهي ، أي : إن أوقعتني دواهي الزمان إلى الاحتياج لمخاطبتك :
فلست معظمة لقدرك .
7 - تنطف بكسر الطاء وضمها أي : تقطر .
8 - في القاموس : تحلب عينه وفوه أي : سالا .