أقول : وفي الاستيعاب : كان فتى مكّة شباباً وجمالا وتيهاً ، وكان أبواه يحبّانه ،
وكانت أُمّه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب ، وكان أعطر أهل مكّة يلبس
الحضرمي من النعال ، وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " ما رأيت بمكّة أحسن لمّةً ولا
أرقّ جلّة ولا أنعم نعمة من مصعب " فبلغه أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يدعو إلى الإسلام في
دار الأرقم فدخل وأسلم ، وكتم إسلامه خوفاً من قومه ، فكان يختلف إلى
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سرّاً ، فبصر به عثمان بن طلحة يصلّي فأخبر به قومه ، فأخذوه
فحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن خرج إلى أرض الحبشة في أوّل من هاجر إليها ،
وبعثه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقّههم
في الدين ، وكان يُدعى القارئ والمُقرئ ، ويقال : إنّه أوّل من جمع الجمعة بالمدينة
قبل الهجرة ؛ قال خبّاب : قتل مصعب يوم أُحد ولم يكن له إلاّ نمرة كنّا إذا غطّينا
رجليه خرج رأسه ، فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " غطّوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من
الإذخر " وكانت راية النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم بدر ويوم أُحد بيده .
وقال أبو جعفر الإسكافي - في نقض عثمانيّته - : بنزول آية ( وأمّا من أعطى
واتّقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليُسرى ) في مصعب بن عمير نقلا عن
المفسّرين ، ردّاً على الجاحظ في قوله بنزولها في أبي بكر ( 1 ) .
وفي شرح ابن أبي الحديد : في الحديث نظر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى مُصعب بن عمير
مقبلا وعليه إهابُ كبش قد تمنطق به ، فقال : انظروا إلى الرجل الّذي قد نوّر الله
قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغذُوانه بأطيب الطعام والشراب ، فدعاه حبّ الله ورسوله
إلى ما ترون ( 2 ) .
وفي أُسد الغابة - مسنداً عن عبيد بن عمير - : وقف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على مُصعب
وهو منجعف على وجهه يوم أُحد شهيداً - وكان صاحب لواء النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - فقال :
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من
هامش
( 1 ) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 13 / 273 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة : 10 / 156 .