شرح
نهج البلاغة وسائر خُطبه الشريفة المأثورة .
ومنها : خطبته الارتجاليّة المطوّلة الخالية عن حرف " الألف " ( * ) والأُخرى :
الخالية عن الحروف المعجمة ، وقد خرّت لهما ولأمثالهما جباه البُلغاء ، وحارت
هامش
* وهي الّتي ارتجلها عند مروره ( عليه السلام ) على جماعة يتذاكرون بينهم في أنّ أيّ الحروف الهجائيّة
أكثر استعمالا في كلام المتكلّمين ، إلى أن اتّفقت آراؤهم على كونها حرف " الألف " وأنّها لا يُستغنى
عنها في شيء من الخُطب والكلمات ، فوقف عليهم الإمام ( عليه السلام ) وأنشأ مرتجلا هذه الخطبة ، وقال :
حمدتُ من عظمت منّته ، وسبغت نعمته ، وسبقت رحمتُه غضبه ، وتمّت كلمتُه ، ونفذت
مشيئتُه ، وبلغت حجّته ، وعدلت قضيّته ، حَمِدتُه حمدَ مقرٍّ بربُوبيّته ، متخضّع لعبوديّته ، متنصّل
من خطيئته ، معترف بتوحيده ، مستعيذ من وعيده ، مؤمّل من ربّه رحمة تنجيه يوم يُشغَل كلٌّ عن
فصيلته وبنيه ، ونستعينه ونسترشده ، ونستهديه ، ونؤمن به ونتوكّل عليه ، وشهدت له شهود عبد
مخلص موقن ، وفرّدتُه تفريدَ مؤمن متيقّن ، ووحّدتُه توحيدَ عبد مذعن ، ليس له شريكٌ في ملكه ،
ولم يكن له وليّ في صُنعه ، جَلّ عن مشير ووزير ، وتنزّه عن مثل ونظير . عَلِم فستر ، وبَطَن فخبر ،
وملكَ فقهرَ ، وعُصي فَغَفرَ ، وعُبد فشكرَ ، وحكم فعدلَ ، وتكرّم وتفضّل ، لن يزول ولم يزل ، ليس
كمثله شيء ، وهو قبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء ، ربٌّ متفرّدٌ بعزّته ، متملّك بقدرته ، متقدّسٌ بعلوّه ،
متكبّر بسموّه ، ليس يُدركُه بصر ، ولم يُحط به نظر ، قويٌّ منيعٌ ، بصيرٌ سميعٌ ، حليم حكيمٌ ، رؤوفٌ
رحيمٌ ، عَجَزَ عن وصفه من وَصَفه ، وضلّ عن نعته من عَرَفه ، قرُبَ فبعُد ، وبَعُدَ فقرُبَ ، يُجيبُ دعوةَ
من يدعوه ، ويرزُق عبده ويَحبُوه ، ذو لطف خفيّ ، وبطش قويّ ، ورحمة مُوسعة ، وعقوبة موجعة ،
رحمته جنّةٌ عريضةٌ مونقةٌ ، وعقوبته جحيمٌ ممدودةٌ موبقةٌ .
وشهدتُ ببعث محمّد رسولِهِ وعبدِه ، وصفيّه ونبيّه ، ونجيبه وحبيبه وخليله ، بعثه في خير
عصر ، و [ حين ] فترة [ و ] كفر ، رحمةً لعبيده ، ومنّةً لمزيده ، ختم به نبوّته ، وشيّد به حجّته ، فوعظ
ونصح ، وبلغ وكدح ، رؤوفٌ بكلّ مؤمن ، رحيمٌ سخيٌّ رضيٌّ وليٌّ زكيٌّ ، عليه رحمةٌ وتسليمٌ وبركةٌ
وتكريم ، من ربٍّ غفور رحيم ، قريب مجيب حليم .
وصّيتكم ونفسي معشر من حضرني بوصيّةِ ربّكم ، وذكّرتُكم بسنّة نبيّكم ، فعليكم برهبة
تسكنُ قلوبَكم ، وخشية تُذري دموعكم ، وتقيّة تنجيكم قبل يوم يُبليكم ويذهِلكم ، يوم يفوزُ فيه
من ثقل وزنُ حسنته وخفّ وزن سيّئته ، ولتكن مسألتكم وتملّقكم مسألة ذلٍّ وخضوع ، وشكر
وخشوع ، بتوبة ونزوع ، وندم ورجوع .
وليغتنم كلّ مغتنم منكم صحّته قبل سُقمه ، وشيبته قبل هرمه ، وسعته قبل فقره ، وفرغته قبل
شُغله ، وحضره قبل سفره ، وحياته قبل موته ، ونشطه قبل يكبر ويهرم ، وقوّته قبل يمرض ويسقم ،
يملّه طبيبه ويعرض عنه حبيبه ، وينقطع عمره ، ويتغيّر عقلُه ، ثمّ قيل : هو موعوكٌ ، وجسمه
منهوكٌ ، ثمّ جدّ في نزع شديد ، وحضره كلّ قريب وبعيد ، فشخص بصره ، وطمح نظره ،
ورشح جبينه ، وعطف [ 1 ] عرينه ، وسكن حنينه ، وحزنته نفسه ، وبكته عِرسُه ، وحضر [ 2 ] رمسُه ، ويُتمُّ
منه ولده ، وتفرّق [ عنه ] [ 3 ] عددُه ، وقُسم جمعه ، وذهب بصره وسمعه ، ومُدّد وجُرّد وعُري وغسل
ونشف وسجّي وبُسط له ، وهيّئ ، ونُشر عليه كفنه ، وشدّ منه ذقنه ، وقُمّص وعُمّم وودع وسُلّم
وحمل فوق سريره ، وصُلّي عليه بتكبير بغير سجود وتعفير ، ونقل من دور مزخرفة ، وقصور
مشيّدة ، وحجر منجّدة ، وجُعل في ضريح ملحود ، وضيق مرصود بلبن منضود ، مسقّف بجلمود ،
[ و ] [ 4 ] هيل عليه حفره [ 5 ] وحُثِيَ عليه مدرُه وتحقّق حذرهُ ، ونُسي خبره ، ورجع عنه وليّه وصفيّه
ونديمه ونسيبه وحميمه ، وتبدّل به قرينه وحبيبه ، فهو حشو قبر ورهين قفر ، يسعى بجسمه دودُ
قبره ، ويسيلُ صديدُه من منخرِه ، تسحقُ تربته لحمه ، وينشف دمه ، ويرمّ عظمه ، حتّى يوم حشره ،
فنشر من قبره حين يُنفخُ في صُور ، ويقوم لحشر ونشور ، فثمّ بُعثرت قُبور ، وحُصّلت سريرة
صدور وجئ بكلّ نبيٍّ وصدّيق وشهيد ( يوحّد للفصل عليمٌ قديرٌ ) [ 6 ] وبعبده خبير بصير ، فكم
من زفرة تفنيه ، وحسرة تقضيه [ 7 ] في موقف مهيل ، ومشهد جليل ، بين يدي ملك عظيم ، وبكلّ
صغير وكبير عليمٌ ، فحينئذ يلجمه عرقه ، ويحضره قلقه ، عبرته غير مرحومة ، وصرخته غير
مسموعة ، وحجّته غير مقبولة ( تزول جريدته وتنشر صحيفته ) [ 8 ] ينظر في سوء عمله ، وشهدت
عليه عينه بنظره ، ويده ببطشه ، ورجله بخطوه ، وفرجه بلمسه ، وجلده بمسّه ، فسُلسلَ جيده ، وغُلّت
يده ، وسيق فسحب وحده ، وورد جهنّم بكرب وشدّة ، فظلّ يُعذّب في جحيم ، ويسقى شربةً من
حميم ، تشوي وجهه ، وتسلخ جلده ، وتضربه زبنية بمقمع من حديد ، ويعود جلده بعد نضجه
كجلد جديد ، يستغيث فتعرض عنه خزنةُ جهنّم ، ويستصرخ فيلبث حقبةً يندم ، نعوذ بربٍّ قدير ،
من شر كلّ مصير ، ونسأله عفو من رضي عنه ، ومغفرة من قبله ، فهو وليّ مسألتي ومنجح طلبتي .
ومن زحزح عن تعذيب ربّه جعل في جنّته بقربه ، وخلد في قصور مشيّدة ، وملك بحور عين
وحفدة ، وطيف عليه بكؤوس ، وسكن حظيرة قدس ، وتقلّب في نعيم ، وسقي من تسنيم ، وشرب
من عين سلسبيل ، ومزج له بزنجبيل ، مختّم بمسك وعنبر ، مستديم للملك [ 9 ] مستشعر للسرور ،
يشرب من خمور في روض مغدّق ، ليس يصدّع من شربه ، وليس يُنزف .
هذه منزلة من خشي ربّه ، وحذّر نفسه ، وتلك عقوبة من جحد مشيئته ، وسوّلت له نفسه
معصيته . فهو قولٌ فصلٌ ، وحكمٌ عدلٌ ، وخير قصص قصّ ، ووعظ نصّ ، تنزيل من حكيم حميد ،
نزل به روح قدس مبين ، على قلب نبيٍّ مهتد رشيد ، صلّت عليه رسل سفرة ، مكرّمون بررة .
عُذتُ بربّ عليم رحيم كريم من شرّ كلّ عدوٍّ لعين رجيم ، فليتضرّع متضرّعكم ، وليبتهل
مبتهلكم ، وليستغفر كلّ مربوب منكم لي ولكم ، وحسبي ربّي وحده [ 10 ] .
وأمّا خطبته الارتجاليّة الخالية من الحروف المنقّطة فقوله ( عليه السلام ) :
الحمد لله الملك المحمود ، المالك الودود ، مصوّر كلّ مولود ، ومئال كلّ مطرود ، ساطح المهاد ،
وموطّد [ 11 ] الأوطاد ، ومرسل الأمطار ، ومسهّل الأوطار [ 12 ] عالم الأسرار ومدركها ، ومدمّر الأملاك
ومهلكها ، ومكوّر الدهور ومكرّرها ، ومورد الأُمور ومصدرها ، عمّ سماحه [ 13 ] وكمل ركامه [ 14 ]
وهمل [ 15 ] وطاوع السؤال والأمل ، وأوسع الرمل وأرمل ، أحمده حمداً ممدوداً مداه ، وأُوحّده كما
وحّد الأوّاه [ 16 ] وهو الله لا إله للأُمم سواه ، ولا صادع لما عدّله وسوّاه .
أرسل محمّداً علماً للإسلام ، وإماماً للحكّام ، مسدّداً للرعاع ، ومعطّل أحكام ودّ وسواع [ 17 ]
أعلم وعلم ، وحكم وأحكم ، وأصّل الأُصول ، ومهّد وأكّد الوعود وأوعد . أوصل الله له الإكرام ،
وأودع روحه السلام ، ورحم آله وأهله الكرام ما لمع لامع وسطع ساطع وطلع هلال ، وسمع اهلال .
اعملوا - رعاكم الله - أصلحَ الأعمال ، واسلكوا مسالك الحلال ، واطرحوا الحرام ودعوه ،
واسمعوا أمر الله ووعوه ، وصلوا الأرحام وراعوها ، واعصوا الأهواء واردعوها [ 18 ] وصاهروا أهل
الصلاح والورع ، وصارموا رهط اللهو والطمع ، ومصاهركم أطهر الأحرار مولداً ، وأسراهم سؤدداً ،
وأحلاهم مورداً - إلى قوله ( عليه السلام ) - : أسأل الله لكم دوام أسعاده ، وألهم كلاّ إصلاح حاله ، والإعداد
لمآله ومعاده ، وله الحمد السرمد ، والمدح لرسوله أحمد [ 19 ] .
[ 1 ] في بحار الأنوار وكنز العمّال : خطفت .
[ 2 ] كذا في البحار ، وفي شرح النهج : حُفِر .
[ 3 و 4 ] أضفناهما من بحار الأنوار وكنز العمّال .
[ 5 ] في بحار الأنوار : عفره .
[ 6 ] بدل ما بين القوسين في بحارالأنوار : وقعد لفصل حكمه قدير .
[ 7 ] في بحار الأنوار : تضنيه .
[ 8 ] بدل ما بين القوسين في بحار الأنوار : برزت صحيفته ، وتبيّنت جريدته .
[ 9 ] في بحار الأنوار : للحبور .
[ 10 ] شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 19 : 141 ، كنز العمّال 16 : 208 / 44234 ، بحار
الأنوار 74 : 340 .
[ 11 ] وطد الشيء : أثبته وثقّله ، انظر لسان العرب 3 : 461 .
[ 12 ] الأوطار : الحاجات ، المصباح المنير 2 : 663 ( وطر ) .
[ 13 ] سماحه : جوده ، عطاؤه ، المصباح المنير 1 : 288 ( سمح ) .
[ 14 ] الركام : السحاب المتراكم بعضه فوق بعض ، النهاية ( لابن الأثير ) 2 : 260 ( ركم ) .
[ 15 ] هملت السماء : دام مطرها مع سكون وضعف ، لسان العرب 11 : 710 ( همل ) .
[ 16 ] الأوّاه : كثير الدعاء والبكاء ، النهاية ( ابن الأثير ) 1 : 82 ( أوه ) .
[ 17 ] وُدّ وسواع : اسمان لصنمين كانا لقوم نوح ( عليه السلام ) .
[ 18 ] اردعوها : كفّوها وردّوها ، الصحاح 3 : 1218 .
[ 19 ] خطبتان للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : 36 ، علي محمّد علي دخيل .