وحكى بعضهم قال : دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعراً فقلنا له : أحسنت فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال ألمثلي يقال أحسنت ففررنا منه فقال : أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وإن أنا أسأت فقولوا أسأت . فرجعنا إليه فأنشد يقول : [ من البسيط ]
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو * وحملوها وسارت بالدمى الإبل
وقلبت بخلال السجف ناظرها * يرنو إلي ودمع العين ينهمل
وودعت ببنان زانه عنهم * ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
يا حادي العيس عرج كي أودعهم * يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم * يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا
فقلنا له : ماتوا . فقال : والله وأنا أموت ! ثم شهق شهقة فإذا هو ميت رحمه الله تعالى : [ من البسيط ]
لما علمت بأن القوم قد رحلوا * وراهب الدير بالناقوس مشتغل
شبكت عشري على رأسي وقلت له * يا راهب الدير هل مرت بك الإبل
فحن لي وبكى رق لي ورثى * وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل
إن الخيام التي قد جئت تطلبهم * بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا
وقال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى : [ من البسيط ]
ما رحلوا يوم ساروا البزل العيسا * إلا وقد حملوا فيها الطواويسا
من كل فاتكة الألحاظ مالكة * تخالها فوق عرش الدر بلقيسا
إذا تمشت على صرح الزجاج ترى * شمساً على فلك حجر إدريسا
أسقفه من بنات الروم عاطلة * ترى عليها من الأنوار ناموسا
وحشية ما لها أنس قد اتخذت * في بيت خلوتها للذكر ناموسا
إن أومأت تطلب الإنجيل تحسبهم * قساقساً أو بطاريقاً شماميسا
المستطرف في كل فن مستظرف — صفحة 477
مساهمون: الأبشيهي
ص٤٧٧