3 ً - وإلى جانب الحكم بحرمة أو كراهة
شفاعة الحاكم في الإسقاط والإبراء صرّح
كثير من الفقهاء باستحباب أن يأمر الحاكم
الخصمين بالصلح ويشير به ويعرضه
عليهما ويرغّبهما فيه ، استناداً إلى ما دلّ
- بنحو العموم ( 1 ) أو الخصوص ( 2 ) - على
رجحانه شرعاً ( 3 ) .
هامش
( 1 ) من قبيل : عموم ما دلّ على رجحان الأمر بالمعروف ،
فإنّ الأمر بالصلح أمر بالمعروف .
( 2 ) من قبيل : قوله تعالى : ( والصُّلحُ خَيرٌ . . . ) ( النساء :
128 ) ، وقوله تعالى : ( إَنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُوا
بَينَ أَخَوَيكُم . . . ) ( الحجرات : 10 ) ، وقوله تعالى :
( فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصلِحُوا ذَاتَ بَينِكُم . . . ) ( الأنفال : 1 ) ،
وقوله تعالى : ( لا خَيرَ في كَثير مِن نَّجوَاهُم إِلاّ مَن
أَمَرَ بِصَدَقَة أَو مَعرُوف أَو إِصلاح بَينَ النَّاسِ . . . )
( النساء : 114 ) ، وقوله تعالى : ( وَلاَ تَجعَلُوا اللهَ عُرضَةً
لأَيمَانِكُم أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصلِحُوا بَينَ النَّاسِ )
( البقرة : 224 ) .
ومن قبيل : صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد
الله ( عليه السلام ) قال : « لأن أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن
أتصدّق بدينارين . . . » ( الوسائل 18 : 439 ، ب 1 من
أحكام الصلح ، ح 1 ) .
( 3 ) قال الحلبي ( الكافي في الفقه : 447 ) : « وإن أقام
[ المدّعى عليه ] على الانكار عرض عليهما الصلح ،
فإن أجابا إليه رفعهما إلى من يتوسّط بينهما » .
وقال الشيخ ( المبسوط 8 : 170 ) : « ويستحب أن
يأمرهما بالمصالحة » .
وقال ابن زهرة ( الغنية : 445 ) ما نصّه مطابق
تقريباً مع نصّ كلام الحلبي .
وقال ابن إدريس ( السرائر 2 : 160 ) : « وله أن يأمرهما
بالصلح ويشير بذلك لقوله تعالى : ( والصُّلحُ
خَيرٌ . . . ) ( النساء : 128 ) وما هو خير فللانسان فعله
بغير خلاف من محصّل » .
وقال المحقق الحلّي ( الشرائع 4 : 81 ) : « ويستحبّ
ترغيبهما في الصلح » .
وقال ابن سعيد الحلّي ( الجامع للشرائع : 523 )
« ويجوز أن يشير عليهما بالصلح » .
وقال العلاّمة الحلّي ( قواعد الأحكام 3 : 430 ) ،
والشهيد الأوّل ( اللمعة الدمشقية : 90 . الدروس
الشرعيّة 2 : 73 ) مثله .
وقال الشهيد الثاني ( الروضة 3 : 75 ) : « ويستحب له
قبل الحكم ترغيبهما في الصلح » .
وقال المقدّس الأردبيلي ( مجمع الفائدة والبرهان 12 :
56 ) : « ويستحب له أن يرغّب المتخاصمين بعد
ظهوره [ = ظهور الحقّ ] على الصلح بأن الصلح خير
ونحو ذلك ؛ لأنّ الترغيب بالخير خير » .
وقال الفاضل الهندي ( كشف اللثام 2 : 329 حجري ) :
« ويستحب ترغيبهما في الصلح ، فالصلح خير ،
والترغيب فيه أمر بالمعروف ، ولا خير في كثير من
نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين
الناس » .
وقال السيّد علي الطباطبائي ( الرياض 9 : 256 ) - بعد
أن ذكر كراهة الشفاعة في الإسقاط - : « هذا إذا كان
بعد ثبوت الحق ، وإلاّ فلا يكره ، بل يستحبّ الترغيب
في الصلح » .
وقال النراقي ( مستند الشيعة 17 : 126 - 128 ) ما
مضمونه : انّه لا ينبغي الارتياب في استحباب الترغيب
في الصلح من قبل الحاكم قبل أن يثبت عنده الحق -
بالبينة أو اليمين أو الاقرار - أو يسقط بالحلف ؛ وذلك
للأدلّة المشار إليها .
أمّا بعد ثبوت الحق أو سقوطه عند الحاكم وقبل الحكم
فإنّما يجوز بل يستحب له - استناداً إلى الأدلّة المتقدمة
- الترغيب في الصلح فيما إذا لم يُعلم الحاكم المدّعي
بالثبوت ولا المنكر بالسقوط ، ولم يطالب بتنجيز
الحكم ، ولم يَعلم الحاكم انّه لو حكم لم يرض من له
الحكم بالصلح . أمّا بعد حكم الحاكم فاستحباب
الترغيب في الصلح من قبل الحاكم غير واضح ؛ لأنّه
حقيقةً ليس ترغيباً في الصلح ، لأنّ الظاهر من الصلح
هو ما يكون قبل ثبوت الحق ، بل هو ترغيب لأحدهما
باسقاط الحق أو بذل المال لغير مستحقّه . والظاهر انّ
إضافة الأصحاب الترغيب إلى ضمير التثنية
لتخصيصهم الاستحباب بغير هذه الصورة ، إذ لا معنى
لترغيب الخصمين حينئذ كما لا يخفى .
وقال المحقّق النجفي ( جواهر الكلام 40 : 145 ) : « إذا
ترافع الخصمان وكان الحكم واضحاً لزمه القضاء ،
ولكن يستحب ترغيبهما في الصلح الذي هو خير » .
وقال الشيخ الأنصاري ( كتاب القضاء ، تراث الشيخ
الأعظم : 85 ) - بعد أن ذكر كراهة الشفاعة في الإسقاط
- : « ولا ينافي ذلك استحباب طلبه الصلح منهما » .
وقال في موضع آخر ( 122 ) : « يستحب للحاكم
الترغيب لمن له الحكم بالصلح . . . لكون الصلح
خيراً ، و . . . » .
هذه جملة من كلماتهم بشأن استحباب الأمر بالصلح
والترغيب فيه .