والمستظهر من كلمات الأصحاب
وفتاواهم إلى زمان العلاّمة الحلّي ( قدس سره ) ( 1 ) :
هامش
( 1 ) وإليك كلماتهم إلى زمن العلاّمة [ ت = 726 ه ] :
فعن ابن الجنيد - كما في المختلف ( 5 : 240 ، م 210 )
- : « لا يشترى وحده إلاّ إذا كان بحيث يقدر عليه
المشتري أو يضمنه له البائع » .
وقال الشيخ المفيد ( المقنعة : 600 ) : « ولا يجوز ابتياع
العبد الآبق إلاّ أن يبتاع معه شيء آخر » .
وقال السيد المرتضى ( الانتصار : 435 ) : « وممّا
انفردت به الإماميّة القول بجواز شراء العبد الآبق مع
غيره ، ولا يشترى وحده إلاّ إذا كان بحيث يقدر عليه
المشتري . وخالف باقي الفقهاء في ذلك ، وذهبوا إلى
أنّه لا يجوز بيع الآبق على كلّ حال إلاّ ما روي عن
عثمان البتي أنّه قال : لا بأس ببيع الآبق والبعير الشارد ،
وإن هلك فهو من مال المشتري ، وهذا كالموافقة
للإماميّة إلاّ أنّه لم يشرط أن يكون معه في الصفقة غيره
كما شرطت الإماميّة .
والدليل على صحّة ما ذهبنا إليه الإجماع المتكرّر .
ومعوَّل مخالفينا في منع بيعه على أنّه بيع غرر وأنّ
نبيّنا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نهى عن بيع الغرر ، وربّما عوّلوا على أنّه
مبيع غير مقدور على تسليمه ، فلا يصحّ بيعه كالسمك
في الماء والطير في الهواء ، وهذا ليس بصحيح ؛ لأنّ
هذا البيع يخرجه من أن يكون غرراً ؛ لانضمام غيره
إليه كبيع الثمرة الموجودة بعضها والمتوقّع وجود
باقيها » .
وقال الشيخ الطوسي في النهاية ( 409 ) : « ولا يجوز
أن يشتري الإنسان عبداً آبقاً على الانفراد ، فإن اشتراه
لم ينعقد البيع ، ومتى اشتراه مع شيء آخر من متاع أو
غيره كان العقد ماضياً » .
وقال في الخلاف ( 3 : 168 ، م 274 ) : « لا يجوز بيع
العبد الآبق منفرداً ، ويجوز بيعه مع سلعة أُخرى . وقال
الفقهاء بأسرهم : لا يجوز بيعه ، ولم يفصّلوا . وحكي
عن ابن عمر أنّه أجازه . وعن محمّد بن سيرين أنّه قال :
إن لم يعلم موضعه لم يجز ، وإن علم موضعه جاز .
دليلنا على منع بيعه منفرداً : إجماع الفرقة ، ولأنّه لا
يقدر على تسليمه ، ولأنّه بيع الغرر ، فأمّا جوازه مع
السلعة الأُخرى فإجماع الفرقة ودلالة الأصل ، والمنع
يحتاج إلى دليل » .
وقال ابن حمزة ( الوسيلة : 245 - 246 ) : « ولا يصحّ
بيع ما فيه غرر إلاّ إذا ضمّ معه غيره ممّا لا يكن فيه
غرر » .
ثمّ ذكر أنواع الغرر في البيوع ، وقال : « وبيع العبد
آبقاً . . . ويجوز بيع العبد الآبق وبيع المجر ( بيع المجر :
هو شراء ما في بطن الناقة ) وبيع البيض في جوف
البائض مع غيره وكذلك بيع الصوف والشعر والوبر
على ظهر الحيوان مع غيرها » .
وقال ابن زهرة ( الغنية : 211 - 212 ) : « واعتبرنا أن
يكون مقدوراً على تسليمه تحفّظاً ممّا لا يمكن ذلك
فيه كالسمك في الماء والطير في الهواء ، فإنّ ما هذه
حاله لا يجوز بيعه بلا خلاف ؛ لأنّه من بيع الغرر .
وقد دخل فيما قلناه بيع الآبق . وقد روى أصحابنا
جواز بيعه إذا بيع معه في الصفقة سلعة أُخرى ، وبيع
سمك الآجام مع ما فيها من القصب ، ويدلّ على هذا
الموضع الإجماع المشار إليه وظاهر القرآن ، وإنّما
أخرجنا منه ما عدا هذا الموضع لدليل قاطع ، والبيع
لما ذكرناه في هذه الصورة ليس بغرر ؛ لأنّ ما ينضمّ
في العقد إليه يخرجه عن ذلك » .
وقال محمّد بن إدريس ( السرائر 2 : 344 ) - بعد أن
نقل ما تقدم عن الشيخ - قال : « وقال السيد المرتضى :
إذا كان بحيث يقدر عليه ويعلم موضعه جاز شراؤه
منفرداً ، ولا يمنع ممّا قاله ( رحمه الله ) مانع ؛ لأنّ الغرر زال ، وهو
داخل في قوله تعالى : ( وأحَلّ اللهُ البيعَ وحرَّمَ الرِّبا ) ،
فأمّا إذا كان بحيث لا يقدر عليه فلا خلاف أنّه لا يجوز
بيعه منفرداً إلاّ إذا اشتراه مع شيء آخر من متاع أو غيره
منضمّ إلى العقد ، فيكون العقد ماضياً والشراء صحيحاً
بغير خلاف أيضاً ؛ لأنّه أمن الغرر في ذلك » .
وقال المحقق الحلي في الشرائع ( 2 : 17 ) : « الثالث :
أن يكون مقدوراً على تسليمه ، فلا يصحّ بيع الآبق
منفرداً ويصحّ منضمّاً إلى ما يصحّ بيعه ، ولو لم يظفر به
لم يكن له رجوع على البائع وكان الثمن مقابلا
للضميمة » .
وقال في المختصر النافع ( 200 ) : « فلو باع الآبق
منفرداً لم يصحّ ، ويصحّ لو ضمّ إليه شيئاً » .
وقال ابن سعيد ( الجامع للشرائع : 249 ) : « والعبد
الآبق [ أي لا يجوز بيعه ] والحمل في جوف الحامل ،
والبيض في جوف البائض ، واللبن في الضرع ،
والصوف والوبر والشعر على الظهر منفردات » .
وذكر تحت عنوان بيع الغرر ( 255 ) : « الغرر ما انطوى
أمره ، وإذا أُريد بيع الحمل في جوف الحامل واللبن
في الضرع والصوف والشعر والوبر على الظهر
والرقيق الآبق والسمك في الماء بيعت مع متاع
حاصل » .
وقال العلاّمة في التذكرة ( 10 : 48 - 49 ) - تحت
عنوان الشرط الرابع : القدرة على التسليم - : « . . .
والمشهور عند علمائنا أنّه لا يصحّ بيع الآبق منفرداً
وإن عرفا مكانه .
وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر
وأصحاب الرأي ؛ لأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نهى عن بيع الغرر ،
وهذا غرر ، وفي الصحيح عن رفاعة عن الكاظم ( عليه السلام )
قلت له : « يصلح . . . الخ » ، ولأنّه غير مقدور على
تسليمه فأشبه الطير في الهواء . وقال بعض علمائنا
بالجواز ، وبه قال شريح وابن سيرين - واشترى ابن
عمر من بعض ولده بعيراً شارداً - لأنّه مملوك ،
فصحَّ » .
ثمّ ذكر بعد ذلك : « فروع :
أ - لو باع الآبق على من هو في يده أو على من يتمكّن
من أخذه صحّ ؛ لانتفاء المانع .
ب - لو باع الآبق منضمّاً إلى غيره صحّ ، فإن لم يظفر
به لم يكن له رجوع على البائع بشيء ، وكان الثمن في
مقابلة الضميمة ؛ لقول الصادق ( عليه السلام ) : « فإن لم يقدر
على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه » » .
وقال في المختلف ( 5 : 240 - 241 ، م 210 ) : « قال
الشيخان : لا يجوز بيع الآبق منفرداً ، فإن بيع كذلك
بطل ، ويجوز منضمّاً - قال المفيد : فإن وجد العبد ، وإلاّ
كان ما نقد من الثمن في الشيء الموجود - وأطلقا .
وكذا قال ابن البرّاج وأبو الصلاح وسلاّر وابن حمزة .
وقال السيد المرتضى : لا يشترى وحده إلاّ إذا كان
بحيث يقدر عليه المشتري . وقال ابن الجنيد : لا يشترى
وحده إلاّ إذا كان بحيث يقدر عليه المشتري أو يضمنه
له البائع . وهو الأقرب . لنا : أنّ القدرة على التسليم
شرط في صحّة البيع ، وهي متحقّقة على التقديرين ،
فيصحّ البيع ؛ عملا بوجود المقتضي مع الشرط . احتجّ
الشيخ بما رواه سماعة . . . والجواب : الرواية
ضعيفة السند مقطوعة ، فلا تصلح حجّة » .
وقال في القواعد ( 2 : 22 ) في شروط المعقود عليه :
« والقدرة على التسليم ، فلا يصحّ بيع الطير في الهواء
إذا لم تقض عادته بعوده . . . ولا الآبق منفرداً إلاّ على
من هو في يده » .
وقال في الارشاد ( 1 : 361 ) : « وتجب القدرة على
التسليم ، فلا يصحّ بيع الآبق منفرداً ويصحّ منضمّاً ،
ولو ضمّ إلى ما يصحّ بيعه وتعذّر القبض لم يرجع على
البائع ، وكان الثمن في مقابلة الضميمة » .
وقال في نهاية الإحكام ( 2 : 481 - 482 ) : « ولا يصحّ
بيع العبد الآبق منفرداً سواء علم مكانه أو لا ؛ لأنّه
لا يقدر على تسليمه فكان غرراً ، ولا يشترط في
الحكم بالبطلان اليأس من عوده ، بل يكفي ظهور
التعذّر . ولو عرف مكانه وعلم أنّه يصل إليه إذا رام
الوصول إليه فليس له حكم الآبق . ولو حصل في يد
إنسان جاز بيعه عليه ؛ لإمكان تسليمه . ولو بيع منضمّاً
إلى غيره صحّ بيعه سواء قلّت قيمة الغير أو كثرت ،
وسواء ظفر به المشتري أو لا ، ولم يكن له رجوع على
البائع بشيء لو لم يظفر به ، وكان الثمن في مقابلة
المنضمّ ؛ لأنّ الصادق ( عليه السلام ) سئل . . . الخ . ولو تلف قبل
القبض فكذلك على إشكال ينشأ : من أنّ كلّ مبيع تلف
قبل قبضه فهو من مال بائعه ، ومن عدم وجوب
الإقباض هنا ، فلا يدخل تحت ضمان البائع . والجمل
الشارد والفرس العائر وشبههما كالآبق في بطلان
البيع ؛ لتعذّر التسليم ، وهل يصحّ مع الضميمة كالآبق ؟
إشكال ، فإن قلنا به فلو تعذّر تسليمه احتمل كون
الثمن في مقابلة الضميمة والتقسيط » .
الفرس العائر : المنفلت ( المحيط في اللغة 2 : 144 ) .