وقد اختلفت كلمات فقهائنا في هذه المسألة حسب اختلاف أنظارهم فيما هو المحرّم من الاستعمال واختلاف مبانيهم في إمكان الأمر الترتّبي وعدمه - وهو بحث أُصولي ( 1 ) . * تأريخ المسألة : وفيما يلي نتابع كلمات الأصحاب في المسألة لمعرفة التطوّرات الحاصلة للموقف الفقهي : 1 - إنّ كلمات الأصحاب من زمان الشيخ الطوسي إلى زمان المحقق الحلّي تصرّح بصحة الطهارة من آنية الذهب والفضّة ( 2 ) . 2 - وقد تابع العلاّمة من سبقه في أكثر كتبه إلاّ أنّه يستفاد من منتهى المطلب التفصيل بين صورة الانحصار فحكم بالبطلان فيها ، وبين عدم الانحصار فحكم بالصحّة فيها ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الترتّب : هو كون الأمر بالمهم من الأمرين المتزاحمين
مترتّباً ومشروطاً بترك الأهم .
( 2 ) قال الشيخ الطوسي ( المبسوط 1 : 13 ) - بعد بيان
حرمة مطلق الاستعمال - : « وإن توضّأ منها أو اغتسل
كان وضوؤه صحيحاً » .
وقال ابن البرّاج في المهذّب ( 1 : 28 ) : « فإن تطهّر
المكلّف منها . . . كانت طهارته صحيحة » .
وقال في جواهر الفقه ( 10 ، م 12 ) : « مسألة : إذا تطهّر
لوضوء أو غسل بماء مطهّر من آنية ذهب أو فضّة ، هل
تكون الطهارة صحيحة أو لا ؟
الجواب : طهارته صحيحة وإن كان محظوراً عليه
استعمال هذه الآنية ؛ لأنّ النهي عامّ في استعمالها في
أكل وشرب وطيب وغير ذلك ، فكما لا يتعدّى النهي
في استعمالها إلى المأكول والمشروب ، فكذلك لا
يتعدّى إلى الطهارة » .
وقال المحقق الحلّي ( المعتبر 1 : 456 ) : « لو تطهّر
من آنية الذهب والفضّة لم يبطل وضوؤه ولا غسله
خلافاً لبعض الحنابلة ، قال : لأنّه استعمال في العبادة ،
فيحرم كالصلاة في الدار المغصوبة » .
( 1 ) قال العلاّمة في القواعد ( 1 : 198 ) : « لو تطهّر من آنية
الذهب أو الفضّة أو المغصوبة أو جعلها مصبّاً لماء
الطهارة صحّت طهارته وإن فعل محرّماً ، بخلاف
الطهارة في الدار المغصوبة » .
وبيّن الفاضل الأصبهاني ( كشف اللثام 1 : 494 ) : أنّ
المراد التطهّر منها بالاغتراف أو الصبّ منها في اليد ثمّ
التطهر بما في اليد ، لا بوضع الأعضاء فيها للطهارة أو
الصبّ منها على أعضاء الطهارة .
وقد نبّه عليه المحقق الكركي ( جامع المقاصد 1 :
192 ) . بل ونبه عليه الشهيد الأول أيضاً . ( انظر :
الذكرى 1 : 148 ) .
وقال في التذكرة ( 2 : 227 - 228 ) : « لو توضأ أو
اغتسل من آنية الذهب والفضّة فعل محرّماً وصحّت
طهارته - وبه قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر
وأصحاب الرأي ؛ لأنّ الطهارة تحصل باجراء
الماء على العضو ؛ وذلك يحصل بعد انفصاله عن
الإناء . وقال بعض الحنابلة : لا تصحّ ؛ لأنّه استعمل
المحرّم في العبادة ، فلا تصحّ كالصلاة في الدار
المغصوبة .
وهو خطأ ؛ لأنّ انتزاع الماء من الإناء ليس جزءاً من
الوضوء ، والطهارة إنّما تقع بعد انقضاء ذلك
الاستعمال ، فيكون كما لو قهر غيره على تسليم ثوب
نفسه ليستتر به في الصلاة ، والتصرّف جزء من الصلاة
في الدار المغصوبة ، وهو منهي عنه ، فلهذا بطلت .
تذنيب : لو جعل آنية الذهب والفضّة مصبّاً لماء
الوضوء ينفصل الماء عن أعضائه إليه لم يبطل
وضوؤه ؛ لأنّه قد رفع الحدث قبل وقوعه في الإناء .
وبعض الحنابلة أبطله ؛ لما فيه من الفخر والخيلاء
وكسر قلوب الفقراء . وهو غلط ؛ لأنّ فعل الطهارة
حصل قبل وصول الماء إلى الإناء » .
( وانظر : المغني ؛ لابن قدامة 1 : 63 . وانظر أيضاً :
الشرح الكبير المطبوع ضمن المغني 1 : 58 - 59 .
الانصاف 1 : 81 ) .
وقال في المنتهى ( 3 : 325 ) : « لو توضّأ من الآنية أو
اغتسل صحّت طهارته ، وبه قال الشافعي وإسحاق
وابن المنذر وأصحاب الرأي ، خلافاً لبعض
الحنابلة » . ثمّ قال : « ولو قيل : إنّ الطهارة لا تتمّ إلاّ
بانتزاع الماء المنهيّ عنه ، فيستحيل الأمر بها ؛
لاشتمالها على المفسدة كان وجهاً » . وانظر : ( المغني
1 : 63 . الشرح الكبير المطبوع ضمن المغني 1 : 58 .
الأُمّ 1 : 10 . المجموع 1 : 251 ) .
وحمل هذا الكلام على صورة الانحصار على ما
سيأتي .