موقف أهل البيت ( عليهم السلام ) من اجتهاد الرأي :
وقد اتخذ فقه أهل البيت ( عليه السلام ) من الاجتهاد بالمعنى الأوّل - اجتهاد الرأي - موقفاً حاسماً منذ
البداية .
فهو من ناحية أكّد على أنّ الرأي والترجيح الشخصي لا مجال لإعماله في التشريعات الإلهية
وأنّ المصالح والمفاسد وملاكات الأحكام لا يمكن إدراكها بالعقول البشرية ، بل لابدّ من أخذها
وتشخيصها من قبل الشارع المقدّس . وقد ورد بهذا الصدد أحاديث مستفيضة عن أئمة أهل
البيت ( عليهم السلام ) نقلا عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تحرّم الرجوع إلى الرأي سواء في الأحكام أو في تفسير القرآن ،
وأن من فعل ذلك فليتبوأ مقعده من النار ( 1 ) ، وأنّ دين الله لا يُصاب بالعقول ( 2 ) ، وأنّ السنّة إذا
قيست محق الدين ( 3 ) .
ومن ناحية ثانية شدّد النكير على من يتهم الشريعة بالنقص أو يرى التصويب في آراء القضاة
والمفتين ؛ لأنّ الشريعة مكتملة وتامّة بصريح قوله تعالى : * ( اليوم أكملت لكم دينكم . . . ) * ( 4 ) ، وأنّ
البيان الشرعي المتمثل في الكتاب والسنة واف بكل ما يحتاجه الانسان في حياته على مدى
العصور وقد دلّت على ذلك الآيات والروايات الكثيرة كقوله تعالى : * ( ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً
لكلّ شيء ) * ( 5 ) وقوله : * ( ما فرّطنا في الكتاب من شيء ) * ( 6 ) ، وقول الإمام
الصادق ( عليه السلام ) : " إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك شيئاً
يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد أن يقول : لو كان هذا أُنزل في القرآن ، إلاّ وقد أنزله
الله فيه " ( 7 ) .
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه 4 : 364 . عيون أخبار الرضا 1 : 212 .
( 2 ) المستدرك 17 : 262 ، ب 6 من صفات القاضي ، ح 25 .
( 3 ) الوسائل 29 : 352 ، ب 44 من ديات الأعضاء ، ح 1 .
( 4 ) المائدة : 3 .
( 5 ) النحل : 89 .
( 6 ) الانعام : 38 .
( 7 ) الفصول المهمة في أُصول الأئمة 1 : 482 ، ح 676 .