فأجابه ابن المغربي برقعة قال فيها : وقفت على ما ذكرت أن بعض أهل الأدب كلفك المسألة عن شعر وجدته ، لا أحب أن أقول في صناعته شيئا ، مشتملا على ألفاظ من حوشي اللغة لا يتشاغل بمثلها أهل التحصيل ، ولا يتوفر على تأملها إلا كل ذي تأمل عليل ، لخروجها عما ينفع في الأديان ، ويعترض في القرآن ، ولمباينتها ما يجري في المذاكرة ، وتستخدم فيه المحاورة . وزاد في عجبي منها صدرها عن البطيحة وفيها الأستاذ ( 1 ) الفاضل هبة الله بحر الأدب الذي عذبت موارده ومصادره ، وري العقول الظماء ، وطب الجهل المستغمر الداء ( 2 ) ، والباب الذي يفتح عن الدهر تجربة وعلما ، والمرآة التي تتصفح بها أوجه الأيام إحاطة وفهما . وفي فصل : فإن كان العرض في هذه الأبيات الخراب ، المقفرة من الصواب ، طلب الفائدة ، فقد كان يجب أن يناخ عليه بمقفلها ، ويقصد إليه بمعضلها ، فعنده مفتاح كل مسألة مقفلة ، ومصباح كل داجية مشكلة ، بل لست أشك أن هذا السائل لو جاوره صامتا عن استخباره ، وعكف على ذلك الجناب كأنما لجا في طي إضماره ، لأعداه رقة نسيم أرضه ، وهذب ( 3 ) خاطره التقاط لفظه ، حتى يغنيه الجوار عن الحوار ، والاقتراب عن رجع الجواب ، وإن كان قصد الامتحان للمسئول ، وتعرض لهذا الموقف الزحول ، فذلك أعجب : كيف لم يتأدب بآدابه الصالحة ، ويعتشي إلى هدايته الواضحة . وفي فصل : وكيف لم يعلم هذا العريض المكلف - بما أعطي من سعادة مكاثرته ، وسيق ( 4 ) إليه من بركة صحبته - أن هذا التعريض كما قال المخزومي لعبد الملك بن مروان وقد ( 5 ) لقيه في طريق الحجاز : بئست تحية الغريب من القاطنين ، ولؤمت هدية الوافد من المقيمين ، وقد كان حق الغريب بينكم أن يكثر قليله ، ويسد ذريعة ، ويعار من معالي الصفات ما يؤنس غربته ، ويصدق مخيلته . وعلى أنه لو كان قد احتبى للجدال ، وركب للنزال ، لما كان في غروب ( 6 ) كلمات من حوشي اللغة عن ذكره ، ما يدل على قصر باعه ، وقلة اطلاعه ، ويا عجبا للفراغ كيف يسوغ لهذا المغتر أن يجاري بخلو ذرعه تقسم أفكاري ، وكيف أنساه اجتماع شمله بعد دياري ، وكيف أذهله حضور أحبته عن مغيب أفلاذ كبدي ، وكيف طرفت نواظره سكرة الحظ عن تصور ما يجن خلدي ، وكيف لم يدر ما لي من ألحاظ مقسمة ، وظنون مرجمة ، وقد تكلفت الإجابة لما تضمنته الأبيات انقيادا لمرادك ، ومقتصر الرأي على إسعادك ، أجر أقلامي جرا وهن نواكل ، وأنبه قرائحي وهن في غمرات الهموم ذو أهل : قال السائل : « إن المسؤول دروك لتلك الفتوى ، ومستحق بها للرتبة العليا » ودروك لا يجوز هنا لأن فعولا يكون من أفعل ، ولو جاز ذلك لجاز « حسون » من « أحسن » و « جمول » من « أجمل » . وما نحب استيفاء القول في هذا الزلل ، ولا نستفتح كلامنا بالمناقشة في السهو والخطل ، ولعل القائل أوهم حملا على قراءة حفص * ( ( في الدرك الأسفل من النار ) ) * ( النساء : 145 ) فظن أن الدرك بوزن فعل ، وأن فعلا مصدر فعل يفعل ، ولم يجعله من الدرك ، لأن الفتح عندهم لا يخفف ، لا يقولون في جمل « جمل » ، وذهب عنه أن يكون اسما مبنيا مثله وإن لم يكن مخففا منه كما قالوا : « دركة ودركة » في حلقة الوتر التي تقع في فرضة ( 7 ) القوس ، فخففوا وحركوا ، وعلى أنهما لو كانا مصدرين لجاز أن يبنيا على الشذوذ ولا يحمل عليهما ما يبنى من الفعل ، لأن الشذوذ ليس بأصل يقاس عليه . ولعله اغتر بقولهم : « دراك » - بالشد - وهو شاذ لأنهم قد ( بنوا ) أفعل من فعل ، وهو قليل ، قالوا فطرته فأفطر ، وبشرته فأبشر ، فجاز على هذا دركته فأدرك ، قال سيبويه : وهذا النحو قليل في كلامهم . ولعله ذهب إلى قولهم : « دراك » مثل « نزال » فظن أنه يقال منه « درك » كما يقال من « مناع » و « نزال » : منع ونزل . وذهب عنه ( أنه ) قد جاء الرباعي في هذا الباب ، قالوا : قرقار وعرعار ، في معنى قرقر وعرعر . فاما الفرق بين الرباعي والثلاثي ، فسيبويه يرى إجازة « فعال » في موضع فعل الأمر الثلاثي كله ، ويمنعه في الرباعي إلا مسموعا ، وقال غيره من النحويين : بل هما ممنوعان إلا مسموعين ، واعتمد سيبويه في الفرق على كثرة الثلاثي ، وقلة ما جاء في الرباعي . أو لعله أصغى إلى قول الآخر ( 8 ) :
وما أعرف له حجة أقوى منه . أو لعله أراد بقوله : دروك من الدرك مثل : لغوب ، وهي لغة تكلمت بها العرب . ثم بدأ السائل فسال عن « الحي » ، ولم أقف على صحة سؤاله لأني وجدت الأبيات مكتوبة بخط عليل ، وإن كان سال عن « الحي » - بكسر الحاء - فقد أنشد أهل العلم قول العجاج ( 9 ) . :
و « برقع » : السماء الدنيا ، قال أمية بن أبي الصلت ( 10 ) :