أتعبته الرحلة كثيرا وزادت في انحطاط قوته ، مع أنه في كل يوم كان يقطع مسافة غير طويلة ، وفي الطريق إلى ميافارقين نزل بدير مارماري وقد اضمحلت قوته أو كادت ، واستبد به الضعف والإعياء ، واستدعى لدى حلوله في الدير بشراب ، لكن معدته لم تسعفه بل دفعته خارجا ، مما جعل من حوله نهبا للقلق وجعله آيسا من الشفاء . ثم إن الراهب الموكل بالدير جاء له بشيء من الرمان ، وسال بعض الغلمان هنالك أن « يفرطوا » بعض حب الرمان له ، فقيل له إنه لا يستطيع أن يتكلم ولا أن يسمع الكلام ، وأن إقهاءه عن الطعام قد بلغ حد الامتناع الكلي ، وأن معدته لا يثبت فيها طعام أو شراب ، فالح الراهب على إعطائه شيئا من حب الرمان « لعله ينتفع ببركة الدير » فتناول منه شيئا يسيرا ثبت في معدته ، وجعل يأخذ منه بالتدريج شيئا بعد شيء ، حتى عاد إليه بعض قوته وانتعشت نفسه بعض انتعاش . وكان الراهب قد طبخ لغلمان الدير عدسا ، فاشتهى الوزير بعضه ، وبعد ما أكل نهض وتمشي على السطح متفرجا ، واعتقد أنه تماثل من مرضه . وفي الفترة نفسها التقى به الشاعر أبو نصر المنازي ( 1 ) ومدحه ، وتاريخ مدحته له هو سنة 406 ، وتجمع المصادر على أن المنازي وزر لنصر الدولة ولعل ذلك كان بعد وفاة المغربي . ومطلع قصيدته المشار إليها :
( 2 ) 5 - توفي الكافي وزير قرواش ، وأصبح الجو ممهدا لعودة الوزير المغربي إلى الموصل ، فكتب إليه قرواش يعرض عليه الوزارة ، وما كاد يتسلم رسالة قرواش حتى وجد في نفسه نزوعا شديدا إلى مبارحة بلاط نصر الدولة . وقد نظن لأول وهلة أن سحر الموصل الخلاب قد ظل يداعب خياله ، وهذا إن صح فإنه لا يكفي لتعليل سرعة الاستجابة لديه ، وإذن فلا بد أن منزلته العظيمة عند نصر الدولة كانت قد أخذت تنحدر . ويقص علينا نصر الدولة قصة ما حدث فيقول : « لما خدمني عند مجيئه من مصر ، وما جرى له مع الحاكم ، جاءني يوما ومعه سدس كاغد فقال لي : قد أثبت في هذا السدس أسماء أصحابك الذين قد أخذوا أموالك وأخلوا خزانتك من مال يعد فيها لحاجة أو شدة ما قيمته ثلاثمائة وسبعون ألف دينار - شك الوزير في ذلك - وقال : إذا أخذت هذا القدر منهم لم تجحف بأموالهم وكان كل منهم مرتبا في خدمته ومركزه وولايته ، وتكون قد تقضيت من أموالك التي احتجنوها ما جعلته لك خزانة وعدة » ( 3 ) عند هذا الحد ذكره نصر الدولة بأنه جعله وزيرا ليعمر البلاد ، فإذا عمرت در دخلها وكفته وكفت أصحابه ، ولم ينصبه ليقوم بمصادرة أصحابه ، وهذا شيء سهل لا يحتاج إلى جهود وزير ، ويستطيع أن يقوم به على أكمل وجه أدون خادم عنده . عندئذ شعر الوزير المغربي أنه عثر عثرة ربما لا تستقال ، وأن نصر الدولة إذا سرب الخير إلى أصحابه نقموا على الوزير ، ولذلك قال لنصر الدولة : « إذا كان هذا رأيك فاحرسني من أصحابك ، ولا تطلعهم على ما قلته في معناهم فيفسد ما بيني وبينهم » ( 4 ) فضمن له نصر الدولة ما أراد . ولكن القلق لم يغادر نفس الوزير ، وأخذ يتحين الفرصة لمغادرة ديار بكر ، وكانت رسالة قرواش هي باب النجاة . ولكنه لم يشأ أن يكشف سره لئلا يحول نصر الدولة بينه وبين الرحيل ، بل أخذ يعمل الحيلة للهرب ، فقال لنصر الدولة : « قد جرى في الجزيرة خلف بين الضامن لها وبين فلان وتفاقم الأمر فيه إلى أن احتاج إلى مشارفتي له وإصلاحه بنفسي . فتأذن في الانحدار إلى هناك ؟ « ( 5 ) ، وهذا ما عبر عنه ابن العديم في موطن آخر بقوله : « على سبيل اعتبار الأعمال وتصفح العمال » ( 6 ) . وحدد الوزير المغربي مدة الغياب بعشرين يوما ، يستطيع أثناءها أن يحسم خلافا ربما استشرى حتى يشغل قلب نصر الدولة ، وفهم نصر الدولة أنه يريد مفارقته ، بل يؤكد أنه أدرك أن الوزير يريد المضي إلى قرواش أمير بني عقيل ، ولعل عيونه كانت قد أطلعته على ذلك ، فقال له : افعل ما ترى . وانهمك الوزير في إعداد ترتيباته للرحيل . يكمل نصر الدولة القصة فيقول : « فجاءني موسك خالي وقال لي : عرفت أن أبا القاسم المغربي على الانحدار إلى الجزيرة ، وكذب ، فإنه بنية المضي إلى الموصل ؟ فقلت : قد عرفت ذلك وعلمته ، ودعه يمضي إلى اللعنة ، فما في مقامه هاهنا لكم فائدة . قال : وتدعه يمضي وقد أخذ أموالك وسرقها وحصلها واحتجنها ، ولم تقبض عليه ، وتأخذ ما أخذ ثم تصرفه إلى اللعنة وسوء المنقلب ؟ فضحكت منه وقلت : ليس كل من يأخذ مالي أرتجعه منه ، ولعمري إنه خدمنا وانتفع منا وكسب معنا . وأخذ ذلك منه لؤم ، فأمسك « ( 7 ) . وكان موسك خال نصر الدولة أحد الضحايا لخطة المصادرة التي رسمها المغربي ، لو أنها نفذت ، ولذلك كان يترصد خطوات الوزير ويكيد له ويحرض عليه . وسار ابن المغربي إلى الجزيرة متوجها نحو الموصل ، وظل يسير حتى شارف تلك المدينة ، وحط رحاله على مقربة منها حتى إذا جنة الليل سرى إليها ووصلها مصبحا ، واجتمع بقرواش ، وتقلد له الوزارة ، وأخذ يسفر في شؤون كلفه بها قرواش من وساطة بينه وبين السلطان البويهي ، ولم ينس الوزير أن يعمل لمقبل الأيام إذا عاد قرواش فتغير عليه ، فاخذ يكثر من لقاء