اصطحاب أهله معه ، فغادر الرحبة إلى الأنبار في طريقه إلى مدينة السلام . وفي رواية أن سعد الدولة أباح دمه ، فلجا إلى مشهد علي بالكوفة ومن مقامه هنالك كاتب العزيز ، فرحب بمقدمه ( 1 ) ويبدو أن ذهابه إلى العراق كان في حدود سنة 379 وهي السنة التي توفي فيها شرف الدولة البويهي وخلفه ابنه بهاء الدولة ، وشجر الخلاف بينه وبين فخر الدولة البويهي ، وغلبت الفوضى والاضطراب على العراق ، وجاء من يحذر عليا بان بقاءه في العراق محفوف بالخطر ، وكان يعلم أيضا أن عودته إلى حلب تغرير بالنفس ، غير أن تعرف حال من خلفهم وراءه فيما يشبه الأسر ، حمله على ركوب الصعب ، فعاد إلى حلب ، ولكنه لم يطل الإقامة في ما يظهر ، ولم تبق له وجهة يؤمها - بعد أن أغلقت الشام والعراق بأبيها في وجهه - إلا أن يؤم مصر ، وهكذا كان . وأغرته الحظوة التي لقيها هنالك باستقدام جميع من تخلفوا في حلب ( 2 ) ، وكان دخوله إلى مصر في النصف من جمادى الأولى سنة 381 ، وفي مصر اتخذه العزيز كاتبا له ( 3 ) ولكي نستطيع أن نتصور ما كان يحدث حينئذ علينا أن نتذكر أن التنافس بين القوى الثلاث : الحمدانيين والفاطميين والروم كان يجعل ديار الشام لقمة متنازعة ، ويسمح لبعض الطامحين بالاستقلال ، وهكذا استطاع غلام اسمه بكجور أن يستقل بدمشق ، ويعلن العصيان على سعد الدولة . ثم إن هذا الغلام أساء التصرف إلى الفاطميين فأخذوا منه دمشق ، فذهب إلى الرقة وعاش فيها خاملا ، غير أنه لم ينس أن الفرص قد تسنح للمرء إذا هو اهتبلها ، فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب ، وأنها « دهليز العراق » ويحرضه على انتزاعها من يد سعد الدولة ، فأجيب بكجور إلى ما أراد ، وزود بكل ما طلب ، وجعل علي بن الحسين ابن المغربي كاتبا له ، وزحف بالجيش إلى حلب ونزل في الموضع المعروف بالنيرب ، وبدا أن الفوز محقق لسعد الدولة إذ تخلى عن بكجور من كان يؤمل لديهم نصرته فاستدعى كاتبه ابن المغربي وقال له : « غررتني وأوهمتني أن العزيز يجيئني ويعاونني ، وأن العرب تخلص لي وتناصحني . . . وما كان لشيء من ذلك حقيقة ، فما الرأي الآن فان بازائنا عسكرا عظيما » . فنصحه ابن المغربي أن يرجع إلى الرقة ويكاتب العزيز يخبره بان من بعث لنجدته تخلف عنه . إلا أن بكجور أصاخ إلى نصيحة رجل آخر من رجاله أشار عليه بالثبات ، فما كان من ابن المغربي إلا أن بذل لبدوي من بني كلاب أن يوصله إلى الرقة مقابل ألف دينار ففعل ( 4 ) وقد كانت نتيجة المعركة بين بكجور وسعد الدولة هزيمة بكجور ثم مقتله ، وسار سعد الدولة إلى الرقة وفيها سلامة الرشيقي وأولاد بكجور ، ففاوضه سلامة على تسليم البلد شرط الإبقاء على أولاد بكجور وأمواله ما عدا آلات الحرب والعدد . وكان الذي كتب نص اليمين ليرددها سعد الدولة هو ابن المغربي نفسه الذي كان قد هرب منه قبل حوالي سنتين ، ولم يؤاخذه سعد الدولة بما كان فعل ( 5 ) وبعيد النصر الذي أحرزه سعد الدولة بقليل أدركته منيته ، وخلفه ابنه أبو الفضائل ، فما كان من ابن المغربي إلا أن كتب إلى العزيز « يعظم أمر حلب عنده ، ويكبر في نفسه أحوالها ويهون عليه حصولها » ( 6 ) فأرسل إليها قائدا اسمه منجوتكين وضم إليه ابن المغربي ليقوم بالأمر والتدبير ، وزحف جيش الفاطميين إلى حلب ، فاستنجد أبو الفضائل بالإمبراطور بسيل ، فأمر بسيل البرجي صاحب أنطاكية بان يجمع جيشا ويقصد حلب ويدفع جيش المصريين عنها ، فنزل البرجي في الموضع المعروف بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب ، فتحول منجوتكين وابن المغربي عن حلب لمناجزة الروم ، وواقفوا الروم ، والنهر المعروف بالمقلوب يفصل بين الفريقين ، وكان النصر في المعركة لمنجوتكين وابن المغربي . هذه المعركة خلدها أبو العلاء المعري في قصيدة له مطلعها ( 7 ) :
هاهنا يمكننا أن نتوقف قليلا لنسأل : هل كانت هذه القصيدة أول علاقة بين المعري وآل المغربي ، وإذا كانت كذلك فكيف بدأ التعارف ، وما ذا كان يريد أبو العلاء من هذا المدح ؟ للإجابة على هذه الأسئلة جميعا علينا أن نتذكر أن أبا العلاء كان في العشرين من عمره يوم نظم القصيدة ، ولما لم يكن شاعرا طالب عطاء ، فإنه لا تفسير لهذا المدح إلا أن يكون إشادة بعلاقة سابقة بلغت حد الصداقة الممزوجة بالاعجاب ، فإن لم تكن صداقة شخصية فلا أقل من أن تكون رعاية للمعرة وأهلها يوم كان ابن المغربي وزيرا لسعد الدولة . ولدينا قصيدة أخرى يدل مستواها على أنها بقية من قصيدة حذف منها أبو العلاء الكثير ، لأنها كانت من ثمرات الصبا ، وفي هذه القصيدة يمدح علي بن الحسين المغربي ويشير إلى أصله الفارسي ويمجد ذلك الأصل ثم يقول ( 8 ) :