على أنا وإن لم نجد قصائد أخرى لابن نباتة في مدح ابن المغربي الجد ، فذلك لا يعني أن حديث الحفيد عن جده ، كان مباهاة وتكثرا ، لأن بلوغه منزلة الوزارة يؤكد ما أحرزه من رفعة المكانة في مملكة حلب ، وهذا من شانه أيضا أن يطمئننا إلى أن ما نسبه الحفيد إليه من أنه « كان كاتبا مجيدا شاعرا ، حسن النظم والنثر » ( 1 ) ليس محمولا كذلك على الإسراف في المبالغة ، وإن كنا لا نملك القدر الكافي من شعره ونثره للحكم على مدى جودته ، وقد روى له حفيده هذه الأبيات ( 2 ) :
وهي أبيات ذهنية خالصة ليس فيها رهافة شعر الكتاب . فاما نثره فقد احتفظ منه حفيده برسالة في وصف النخلة يقول في أولها ( 3 ) : « فاما ذوات الطول المديد ، والقوام بغير تاويد ، المخصوصات بالطلع النضيد ، والمزينات بالسعف والجريد ، الممنوحات عمومة الأنساب ( 4 ) ، الباقيات على مرور الأحقاب ، المطمعات في المحل أنواع الرطاب ، فبدأ خلقها من التراب . . . « . ويتحدث في هذه الرسالة - محافظا على السجع فيها - عن تطور ثمر النخيل في مراحله المختلفة حتى يصبح رطبا جنيا ، وعن ما تمثله النخلة من مكانة معنوية رفيعة بذكرها مرارا في القرآن الكريم ، وتسخيرها لمريم تهزها فيتساقط عنها الرطب . واختيار ابن المغربي وصف النخلة موضوعا لرسالة يدل على أنه لم يكن كاتبا ديوانيا فحسب ، بل كان يمارس الكتابة الإنشائية ، خارج نطاق الديوان . وخلاصة ما هنالك أن هذا الجد قد رسم لأبنائه وحفدته من بعده طريقا لم يحيدوا عنها وهي طريق ذات شقين متصلين : خدمة الدولة والتمرس بفنون الكتابة . وقد ظل حيا حتى سنة 354 ، ففي ذلك العام عقد سيف الدولة الفداء مع الروم واشترى أسرى المسلمين بجميع ما كان معه من المال ، ولم يف المال بفداء جميع الأسرى فرهن كاتبه ابن المغربي عليهم » بدنته الجوهر المعدومة المثل « ( 5 ) ، ولعله توفي في العام المذكور أيضا . وقبل وفاته كان ابناه اللذان تركناهما في بغداد قد كبرا ، وأرسل الإخشيد في استقدامهما إلى مصر . أما لما ذا يفعل الإخشيد ذلك فأمر يشبه اللغز ، نعم كان أبوهما قد تعرف إلى الإخشيد أثناء وجوده في الشام ، أول انتقاله إليها من بغداد ، ولكن ما هي المكانة التي بلغها الإخوان في بغداد حتى تحمل الإخشيد على إرسال فاتك الملقب بالمجنون - ممدوح المتنبي من بعد - ليجيء بهما إلى مصر عن طريق الرحبة ؟ ( 6 ) وبما ذا كان ينوي أن يكلفهما ؟ أكبر الظن أن استدعاءه لهما إنما كان استجابة لرغبة الأب الذي نفترض أن معرفته بالاخشيد بلغت حد الصداقة ، ولكن يبقى السؤال واردا ، لما ذا لم يضمهما أبوهما إليه في كنف سيف الدولة وله منه تلك المنزلة ؟ ومن الواضح أن إقامة الأخوين بمصر لم تطل ، إذ نرى الابن عليا يخلف أباه في خدمة سيف الدولة ( المتوفى سنة 356 ) بحلب ، ويستولي على أمره ، كما استولى أبوه من قبل ، ومن بعد روى لأبي العلاء المعري - أو لغيره ونقل الرواية أبو العلاء - أنه كان مع سيف الدولة وهما خاليان ، فسأله سيف الدولة عن التزويج فقال له علي بن الحسين : لي بنت عم وأنا أنتظر قدومها علي . فتلفت سيف الدولة يمينا وشمالا هل بقربة من يسمعه ثم قال : لا تفعل ، بنت العم ثبت الغم ( 7 ) ويبدو أنه لم يفعل إذ إنه تزوج - أثناء مقامه بديار الشام بنت محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ( 8 ) ، وهي أم الحسين - موضوع هذه الدراسة - ولعلها أيضا أم أخوين آخرين له . والنعماني نسبة إلى النعمانية ، وهي بليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفة دجلة ، وأهلها كلهم شيعة ( 9 ) ، فأم الحسين عراقية شيعية ، ورث عنها أبناؤها في النعمانية أملاكا ( 10 ) وبعد وفاة سيف الدولة استمر علي في خدمة ابنه سعد الدولة أبي المعالي وشاركه الرأي في إدارة الدولة ، كما شاركه في مدائح أبي العباس النامي ( 11 ) ، ولم يصلنا من مدائحه فيه شيء ، كما لم يصلنا شيء من مدائح ابن نباتة فيه مع تصريح ابنه بذلك ( 12 ) ولعله في هذه الفترة اتصل به عبد المحسن الصوري ( 339 - 419 ) ومدحه ، ومن مدائحه فيه قصيدة مطلعها ( 13 ) :
ولا ندري كم أقام علي في صحبة سعد الدولة ، فقد تقلبت الأيام بأبي المعالي كثيرا ، بين سيطرة على حلب وفقدان لها ، وحروب مع الروم ، أو شراء للهدنة منهم بالمال ، ففارقه علي بن الحسين . ويوصف ما جرى بين الرجلين بأنه كان « نبوة أوجبت انفصاله » ( 14 ) ويقال عن هذا الانفصال في موضع آخر : « ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا » ( 15 ) ومما يدل على أن « النبوة » بين الرجلين كانت حادة أن سعد الدولة فيما يبدو لم يسمح لعلي أن يصحب أهله معه . وهذا مما يوحي به قول الابن : « فانا كنا بحلب معوقين من بعده » ، فإن لم يكن هذا هو معنى التعويق ، حملنا الأمر على أن عليا بادر إلى مفارقة حلب ، فرارا بنفسه دون أن يتمكن من