للناصر الوزارة والكتابة والعروض والخزانة وصرفه في عمارة كورة أشبيلية ( 1 ) ولكن لا نعلم في أية سنة وليها ولا متى أعفي منها ، وهل لحق ابن هانئ عهده أم لا . ويذكر المؤلف رجلا آخر كان مولى نعمة لبني أمية ، هو إسماعيل بن بدر بن إسماعيل بن زياد أبو بكر « ولي أشبيلية للناصر عبد الرحمن بن محمد وكان أثيرا لديه ومنادما له وعاش إلى دولة ابنه الحكم المستنصر بالله . . . ذكره ابن الفرضي في تاريخه وذكر أن صناعة الشعر غلبت عليه وهو أحد المكثرين وله الناصر :
( 2 ) هذا الرجل الذي ولي للناصر أشبيلية ، وعاش إلى أيام الحكم ، حتى بعد خروج ابن هانئ من الأندلس ، وكان شاعرا هل كانت بينه وبين ابن هانئ صداقة تربط بينهما ، ثم هل جمعت بينهما صنعة الشعر فتصافيا وتحابا حتى لم يطلب منه إلا أن يتغيب حتى ينسى خبره ؟ قد يجوز ذلك ولا أرى مانعا يحول دون هذه المصافاة ، فالرجل شاعر وهو أمير ، وللشعر والشعراء عنده مكانة ، وما أرى إلا أنه اصطحب ابن هانئ حتى ساءت مقالة الناس فيه ، فطلب الأمير من الشاعر أن يتغيب عن البلاد وقتا ينسى فيه خبره . هذا رأي نميل إليه وإن كنا لا نستطيع الجزم به ثم إن بينهما تشابه في الاستعمالات الشعرية والمبالغات فابيات إسماعيل بن بدر التي مرت معنا ، نجد لها شبيها عند ابن هانئ وزنا وقافية ومعنى :
( 3 ) فهل يكون هذا التشابه في التفكير والتعبير دليلا على صداقتهما وعيشهما زمنا طويلا معا حتى أثر أحدهما في الآخر ؟ قد يكون ذلك وإن كنا لا نستطيع أن نجزم به مع ميلنا إليه . وثمة نقطة أخرى نود أن نعرض لها بالتفصيل - كنا قد أشرنا إليها سابقا ، وهي كم كان عمر شاعرنا عند خروجه من الأندلس ؟ يتفق صاحب الإحاطة في أخبار غرناطة وصاحب وفيات الأعيان على أن ابن هانئ لما خرج من الأندلس كان عمره سبعا وعشرين سنة ( 4 ) ولم أجد غيرهما تعرض إلى ذكر عمره عند خروجه من الأندلس . بيد أن من يطالع ديوان ابن هانئ يجد فيه إشارات إلى وقائع معينة إذا عرف تاريخ حدوثها أمكن تحديد الزمن الذي قيلت فيه على وجه التقريب ، لا سيما وأن بعضها لا يحفل بآية إشارة شيعية ، أو أية تعابير عقائدية ، فلناخذ مثلا قصيدته التي مطلعها :
( 5 ) وقد قالها في مدح المعز ، ونجد أن هذه القصيدة خالية من أية إشارة إلى معركة حربية بل فيها دعوة إلى موالاة الفتوحات :
وفيها أيضا تعريض ببني أمية الذين نقموا عليه تشيعه ، وحاولوا الفتك به ، فانهزم ، ومما يؤلف في المديح أن يعدد الشاعر أعمال الممدوح المجيدة ، فإذا أغفل ذلك جاز لنا أن نعتقد بان الخليفة لم يكن له بعد من جليل الأعمال ما يستحق الذكر ، وفي مثل هذه الحال كان لنا أن نرى أن اتصال ابن هانئ بالمعز كان عند توليه الأمور ، وتسلمه زمام الحكم في البلاد ، ولم تكن للمعز بعد غزوة تذكر . والمعروف أن المعز تسلم زمام الخلافة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ( 6 ) وفي قصيدة أخرى يشير إلى غزوة لجيوش المعز إلى أحد ثغور بني أمية بقيادة عامل المعز على صيقيلية الحسن بن علي ، حيث نزل في ساحل المرية ، فغنم وعاد منصورا وقد وقعت هذه المعركة سنة 344 - 955 وفي هذه القصيدة يقول ابن هانئ :
( 7 ) بينما يشير في قصيدة أخرى إلى فشل بني أمية في النزول على ساحل المغرب انتقاما لما أصيبوا به من قبل جيش المعز ، وفي هذه المناسبة يقول ابن هانئ :
ويظهر أن بني أمية غضبوا لانتهاك حزمة بلادهم ، لذلك « أخرج سيد الأندلس . . . أسطوله مع غالب مولاه إلى ساحل إفريقية فمنعتهم العساكر » ( 8 ) وقد حصلت هذه الواقعة في سنة 345 إذ أنها كانت ردا على غزوة الفاطميين للأندلس . ومما نلحظ هاتين القصيدتين أنهما خلتا من التعابير الشيعية ، والإشارات العقائدية ، إلا من مبالغات مألوفة لدى الشعراء . كل هذا يحملنا على أن نقول بان اتصال ابن هانئ بالمعز كان حوالي سنة ثلاثمائة وأربع وأربعين 344 ، أي عندما كان عمره أربعا وعشرين سنة على أبعد تقدير ، لا كما ذكر ابن الخطيب وابن خلكان من أنه كان ابن سبع وعشرين سنة لما خرج من الأندلس ، ذلك لأنا وضعنا ولادته في سنة 320 ( 932 ) ، ثم إننا نعرف أنه اتصل أولا بجعفر بن علي بن حمدون وأقام زمنا يمدحه قبل أن يتصل بالمعز ، غير أننا لا نرى مانعا من أن يتصل بالمعز في السنة التي اتصل فيها بجعفر بن علي ، إذ يقول ابن الخطيب أنه اتصل أولا بجوهر قائد المعز ومدحه فلم يعجبه عطاؤه ، فسال عمن يفضله ، فدل على جعفر بن علي ، فاتصل به وبقي عنده إلى أن وجهه جعفر إلى المعز ( 9 ) ، وهنا نحار أمام التاريخ إذ أن جوهر لم يغزه المعز إلا سنة ثلاثمائة وسبع وأربعين 347 كما يقول ابن خلدون ( 10 ) وأن أول قائد للمعز من غلمانه هو قيصر الصقلي الذي تركه في العساكر بعد جولته الأولى سنة 342 ثلاثمائة واثنتين وأربعين ،