من يريد أن يروي غليلا من لذائذها . إن نظرة نلقيها على الكتب التي أرخت لابن هانئ ترينا أن الشاعر قد اضطهد فاضطر للهرب . ولكن لم اضطهد ؟ هذا ما نريد أن نعرفه . لو قرأنا ما قاله ابن الابار في هذا الصدد لرأيناه لا يعرض للسبب الذي من أجله اضطهد ، فهو يقول . . . ثم استوطن أبوه البيرة ، وخرج هو منها ( 1 ) اما لم خرج ومتى وكيف فلم يهم المؤرخ ، لذلك ضرب عنه صفحا . أما ابن خاقان فيرد سبب اضطهاده ، ونزوحه عن الأندلس ، إلى ما كان يقول به من غلو ، وذلك بجملة منمقة موشاة بالسجع والمحسنات البديعية ، فيقول : وأبدي من الغلو ، وتعدى الحق المجلو ، فمجته الأنفس ، وأزعجته عن الأندلس ( 2 ) أو ابن خلكان يرى أنه كان كثير الانهماك بالملاذ ، متهما بمذهب الفلاسفة ، ولما اشتهر ذلك عنه نقم عليه أهل أشبيلية ( 3 ) ولكن ياقوت الحموي يؤكد لنا أن ابن هانئ كان متهما بالفلسفة ، يسلك في أقواله وأشعاره مسلك المعري ، وما زال يغلو في ذلك حتى تعدى الحق ، وخرج في غلوه إلى ما لا وجه له في التأويل ، فأزعجه أهل الأندلس ( 4 ) ، وابن الخطيب لا يزيد على أن يصفه بأنه كان من فحول الشعراء ، وأمثال النظم ، وبرهان البلاغة ، لا يدرك شاوه ، ولا يشق غباره ، مع المشاركة في العلوم ، والنفوذ في فك المعمى ( 5 ) ، ولسنا نرى أن فحولة الشعر ، وبلاغة المنطق ، والمشاركة في العلوم ، تسبب الاضطهاد . أما ما قاله المقري في هذا الموضوع فما كان إلا ما قاله ابن خاقان في مطمح الأنفس نقله نقلا حرفيا ، لم يزد فيه ولم ينقص ( 6 ) هذا مجمل آراء الذين أرخوا له ، وهذا ما يجعلنا أكيدين من أن الشاعر لم يخرج مختارا من الأندلس ، بل فارقها كارها ، أزعجه أهلها عنها ، لأنه يقول بمقالة الفلاسفة ، وينهمك بملذاته ويغلو في أقواله إلى ما لا وجه له في التأويل ، والقول بان الانغماس بالملذات سبب أساسي في حملة أهل الأندلس عليه ، قول فيه كثير من المبالغة إذ أن في الأندلس لذلك العهد وما بعده ، أناسا انغمسوا حتى آخر حدود الانغماس في الملذات ، فهم يشربون الخمرة ويعاشرون النساء ، وربما انغمس بعضهم بحب الذكور ، وما رأينا الناس ، وإن كرهوهم ولاكت سمعتهم الألسن ، ازعجوهم عن ديارهم . بقي علينا أن نناقش إذن السببين الأخيرين وهما القول بالفلسفة أو مشايعة الفلاسفة على آرائهم ، والغلو الذي لم يعد يمكن تأويله ، فكيف نفهم هذا ؟ وأي السببين كان العامل المباشر في طرده من الأندلس ؟ أنا لا أعتقد أن ابن هانئ كان مشايعا للفلاسفة يقول بمقالتهم ويتبع آراءهم ، حتى ولست أرى أنه درس الفلسفة لا متعمقا ولا متصفحا ، وهذا الرأي نستند في دعمه إلى ديوان الرجل الذي لا نرى فيه خاطرة فلسفية ، ولا تفكيرا يدل على أن صاحبه عرف الفلسفة بمفاهيمها الشائعة في ذلك الزمن ، ولسنا نعتقد أن الإنسان يمكن أن ينسى ما كان قد اطلع عليه في سني دراسته من آراء مخالفة لمالوف الأكثرية ، ثم إنه لا بد أن يخرج عن لسانه أقوال فيها مظهر فلسفي إذا ما كان قد آمن بالفلسفة في شبابه ، وإذا لم يؤمن فلا بد من أن يلمح في بعض الأحيان إلى بعض هذه الآراء التي يمكن أن نعدها من قبيل الفلسفة ، أو من قبيل التفكير الحر على الأقل . وديوان الشاعر الذي بين أيدينا لو تصفحناه لما وجدنا فيه فكرة فلسفية . ثم إن ابن هاني لا يذكر في شعره أي علم من أعلام الفلسفة كما يفعل المتنبي مثلا . بينما نراه يتحدث عن الحوادث والأحداث التي مرت على الطالبيين إلى كل ما يتعلق بالتأريخ الإسلامي كما يذكر بعض شعراء العربية القدامى كعلقمة الفحل ، وامرئ القيس أو بعض فرسانها كعمرو بن معديكرب مثلا ، وكثيرا غير هؤلاء . من كل هذا نستنتج أن ابن هانئ لم يعرف الفلسفة كفن قائم بذاته ، دعامته التفكير الحر الطليق من كل قيد ، بل رأى أنه عرف التشيع بتعاليمه أما على أيدي رجال متخصصين ، أو أنه عرفه على أبيه وهذا ما نرجحه ، فقال به مجاهرا ولم يتستر كما كان يفعل أبوه ، فاغضب الأمويين ، وعمال الأمويين ، فكان من نتيجة هذا أن خرج إلى الأندلس ميمما وجهه شطر إفريقية حيث دعامة المبدأ الفاطمي قوية هناك ، وحيث تمارس العقيدة بحرية تامة . ولنستمع إليه يشير إلى ذلك بنفسه :
خروجه من الأندلس - في عهد من وكم كان عمره
رأينا ابن هانئ ينزح عن مسقط رأسه بناء على رغبة حاكم أشبيلية الذي أشار عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره ( 7 ) ، أو دراء للفتنة ( 8 ) ، بل وربما تعرض الحاكم نفسه إلى مقت العامة وغضبهم لصحبته ابن هانئ ( 9 ) ، فيعم وجهه شطر المغرب الإفريقي ، حيث حاضرة التشيع عامرة ، وحيث يدعى للعقيدة علانية . ويهمنا الآن أن نعرف ففي عهد أي حاكم من حكام أشبيلية خرج ابن هانئ من الأندلس . لقد رجعنا إلى كتب التاريخ القديمة والتراجم علنا نجد شيئا شافيا بما يتعلق بمعرفة الحاكم الذي صحبه ابن هانئ ، وغادر الأندلس في عهده ، فلم نوفق إلى ما يغني ، غير أن ابن الأبار يذكر أن عبد الرحمن بن بدر ولي