المحالفة مع روسيا :
سقوط دمشق
نهاية علي بك
فقد علي بك بسبب خيانة أبي الذهب ثمار المجهودات التي بذلها لفتح سوريا . ومع ذلك فإنه لم يفقد الأمل في استعادة هذه الفتوحات ، فاستمر يرسل النجدات إلى الشيخ ظاهر ، وعند ما خرج من القاهرة مع ثمانمائة من مماليكه ، سار توا إلى غزة . بيد أن أهل نابلس ويافا لم يلبثوا أن أغلقوا الطريق دونه ، حتى حضر الشيخ ظاهر فأحضره إلى عكا . وقد اشترك جند علي بك بعد ذلك في تخليص صيدا التي كان يحاصرها الأتراك ، فانسحب العثمانيون ، ثم انهزموا في معركة حاسمة ( يولية 1772 ) ، ثم سلمت صيدا ، وانكب الحليفان بعد ذلك على معاقبة أهل يافا فضربوا حولها الحصار حتى سلمت ( فبراير 1773 ) ثم فتحت الرملة . وكان علي بك عندما قرر الخروج من مصر إلى عكا قد أرسل إلى الكونت أرلوف يرجوه إرسال الذخائر وبعض الضباط لانتظاره في الشام ، وقد حمل مكاتبات علي بك إلى الأميرال الروسي ، الأرمني يعقوب ، وبالفعل ظهر جزء من الأسطول أمام عكا . فأرسل علي بك إلى أرلوف ثانية يطلب مدافع وبعض المهندسين مع جيش من الألبانيين يبلغ الثلاثة آلاف ، حتى إذا استطاع العودة إلى مصر واستقر به المقام في القاهرة ، أصبحت كافة قواته تحت تصرف الأميرال الروسي . وزيادة على ذلك فقد بعث علي بك أيضا بخطاب إلى القيصرة كاترين يرجو منها المساعدة ويعرض عليها عقد معاهدة تجارية مع مصر ، وقد أقلعت السفن الروسية من عكا في مايو 1772 ومعها ذو الفقار بك « سفير » علي بك . وقد عاد هذا السفير مع الأرمني يعقوب من مهمتهما ، وأرسل الكونت أرلوف خطابات الصداقة إلى علي بك مع ضابطين روسيين وثلاثة مدافع فقط ، استخدمت في أثناء حصار يافا ، كما اشتركت بعض السفن الروسية في ضرب يافا أيضا ، ولكنها لم تلبث أن انسحبت قبل تسليم يافا . وكانت هذه كل المساعدة التي قدمتها له روسيا . بيد أن انتصارات علي بك لم تلبث أن أنعشت آمال أعوانه في مصر ، وكانت له صلات مع رؤساء انكشارية وغيرهم من البكوات الذين ساءهم سلوك أبي الذهب وطمعه وجشعه ، فكتب له رؤساء الانكشارية وهم أصحاب السلطة الواسعة في القاهرة ، يطلبون عودته ، ثم تأثر علي بك بأقوال المعلم رزق الذي أكد له أن النجوم كلها تنبئ بانتصاره الحاسم وانهزام غريمه بمجرد عودته ، وكان علي بك من كبار المعتقدين بصدق المنجمين فقرر العودة إلى مصر ، ولم يستمع لنصيحة الشيخ ظاهر الذي كان من رأيه الانتظار حتى تحضر النجدات الروسية من جهة ، وحتى يمهد الطريق لعودته ببذر بذور الشقاق والانقسام بين البكوات المماليك من جهة أخرى ، والتأكد قبل رحيله من ولاء الجند له والاطمئنان على شخصه من الغدر والخيانة . وعلى ذلك ، جمع علي بك جنده من المدن التي كانوا في احتلالها ، فوصل بهم إلى غزة في طريقه إلى مصر في مارس 1773 ، ثم استأنف السير في الشهر التالي ، وكانت تبلغ قوته حوالي الخمسة آلاف مقاتل ويصحبه من أسرة ظاهر ابنه ، وزوج ابنته . وأما أبو الذهب فقد أرسل جيشا يبلغ الاثني عشر ألفا ، فتقابل الجيشان بالقرب من الصالحية وانتصر جماعة علي بك في مبدأ الأمر وانفتح الطريق إلى القاهرة ولكن أبي الذهب لم يلبث أن أثار حماس أتباعه من جديد ، واتهم علي بك « بالكفر والإلحاد العميق المستقر في قلبه » كما رماه بالتحالف مع « الكفار » لاخضاع هذه البلاد حتى « يقضي على دين الرسول ويرغم أهلها على اعتناق المسيحية » ( 1 ) . وفي المعركة التالية حمي وطيس القتال ، وسقط من أنصار علي بك ، كل من طنطاوي ، وابن الشيخ ظاهر ، وعبثا حاول الشيخ كريم ( زوج ابنة الشيخ ) إقناع علي بك بالخلاص بنفسه والذهاب معه إلى عكا ، فقد رفض علي بك الانسحاب وظل يقاتل حتى أصيب بجرح في رأسه وسقط عن جواده ( 2 ) ، فأسر وحمل إلى مخيم أبي الذهب الذي « خرج إليه وتلقاه وقبل يده وحمله من تحت إبطه حتى أجلسه بصيوانه » وقد بكى أبو الذهب من تأثره . ولكن علي بك الذي نقل إلى القاهرة لم يلبث أن مات بعد أيام ( 15 صفر 1187 - 8 مايو 1773 ) متأثرا بجراحه كما يقول البعض ، أو مسموما على يد أبي الذهب كما يقول آخرون وبوفاته أسدل الستار على أكبر محاولة عرفتها البلاد للتخلص من سيادة العثمانيين قبل عهد محمد علي . فلو أن علي بك استمع لنصيحة الشيخ ظاهر فانتظر النجدات الروسية - وقد وصلت هذه في ابريل -