وبذلت روسيا قبل ذلك مجهودا أكبر مما فعلت ، لكان لحركة علي بك ولكان للروسيا ذاتها في الشرق شان آخر . فقد كتب ( سافاري ) ( 1 ) تعليقا على ذلك كله : « فلو أن روسيا عرفت كيف تستفيد من العروض التي عرضها عليها علي بك فأرسلت له المهندسين وأمدته بثلاثة أو أربعة آلاف من الجند المدربين ، لاستطاع علي بك أن يستأثر بالسيادة في الشام وفي مصر ، ولانتقلت بفضل ذلك تجارة العرب والهند إلى أيدي حلفائه الروسيين » . وقد علل ( بروس ) ( 2 ) عدم إمكان الاتفاق بين روسيا وعلي بك بان الروس كانوا من جانب ، لا يدركون مدى ما يمكن أن يؤدى إليه اتفاقهم مع المملوك المصري من نتائج بعيدة ، فهم لم يثقوا بعلي بك الثقة التامة ، ولم يوثقوا صلاتهم به ، ولم يزودوا أمراء البحر الروسيين بالتعليمات اللازمة ، وهذا بينما لم يوجد لدى علي بك ، من جانب آخر ، المفاوضون الحقيقيون ، والذين يستطيعون التفاهم مع المفاوض الروسي إذا وجد ، وهكذا تلكأ الفريقان - أو بالأحرى تلكات روسيا - ، حتى إذا كان الاتفاق على وشك النجاح ، كانت الفرصة قد ضاعت من أيديهم ، وكان أعداؤهم قد انتهزوا ذلك لتعطيل ثمرة أية محالفة روسية - مملوكية نهائيا .
نهاية أبي الذهب
الفوضى المملوكية :
وهكذا كانت وفاة علي بك ( 1773 ) ، ثم وفاة أبي الذهب ( 1775 ) مؤذنة ببداية عهد من الاضطراب والفوضى في البلاد ، عندما تنازع على السلطة كبار المماليك من جماعة علي بك ومحمد بك أبي الذهب ( 3 ) وكان أظهر هؤلاء البكوات إسماعيل ، ومراد وإبراهيم ، وقد استطاع الأخيران الاستئثار بالنفوذ كله ( 1779 ) ، فاقتسما فيما بينهما مشيخة البلد وإمارة الحج ، واستوليا على موارد البلاد وإيراداتها . ومذ عام 1783 تقريبا امتنع البكوات عن إرسال الجزية إلى تركيا بدعوى أن الإيرادات المتحصلة من الضرائب لا تكاد تكفي لنفقات الإدارة ، ثم كان من أسباب الفوضى ووقوع الخصام من وقت إلى آخر بين إبراهيم ومراد ، وفي آخر الأمر قرر الباب العالي إرسال حملة لاخضاعهما وبخاصة عندما ساد الاعتقاد بأنهما إنما كانا يمعنان في الخروج على سيادة السلطان العثماني بفضل تأييد روسيا لهما . فقد فرغت تركيا من حربها السابقة مع روسيا من مدة ، منذ أن عقد صلح قينارجه ( 1774 ) ، وتحولت الآن إلى الاقتصاص من الخارجين على سلطتها ، معتمده على مجهودات القبطان حسن باشا الذي أعاد تنظيم البحرية العثمانية فتمكنت تركيا بفضل هذه القوة الجديدة من النضال بنجاح ضد الشيخ ظاهر ومحاصرة عكا ، حتى قتل ظاهر وهو يحاول الفرار من وكره الحصين ( في أغسطس 1775 ) ، ( 4 ) وعلى ذلك فان الباب العالي لم يلبث أن أرسل الآن الرسل إلى مصر في إبريل 1786 ، يطلب من البكوات » الخزائن المنكسرة وتشهيل مرتبات الحرمين من الغلال والصرر في السنين الماضية « ، ( 5 ) وفي الشهير التالي وصلت إلى رشيد والإسكندرية دوتما عثمانية وجيش عثماني تحت قيادة القبطان حسن باشا لردع البكوات وإخضاع البلاد للسيطرة العثمانية ، وقد نزل حسن باشا إلى الإسكندرية في 23 يونية ، ثم زار رشيد ، وهناك قابله وفد من العلماء ومن الوجاقلية يحملون له الهدايا لمخاطبته وسؤاله » عن مراده ومقصده ، ويذكرون له امتثالهم وطاعتهم وعدم مخالفتهم ورجوعهم عما سلف من أفاعيلهم . « بيد أن هذه المحاولة أخفقت . وكان البكوات المماليك في أثناء ذلك يحاولون جمع الكلمة على المقاومة عندما اشتد قلقهم من مسلك القبطان باشا ، فقد » كتب عدة فرمانات بالعربي وأرسلها إلى مشايخ البلاد وأكابر العربان والمقادم « يستميلهم إليه ويعدهم برفع الظلم عنهم والانتقام » من خائني الدين إبراهيم بك ومراد بك وأتباعهما . « وقد أثبت الجبرتي صورة من هذه الفرمانات . ( 6 ) وكان مما قوى عزم البكوات المماليك على المقاومة ، التحذيرات التي كانت تأتيهم من جانب أحمد باشا الجزار .