علي بك الكبير
وقد برزت في خلال ما تقدم شخصية ذات أثر في الحوادث التالية هي شخصية علي بك ، أحد مماليك إبراهيم بك . والواقع أن علي بك بفضل الحكومة القوية التي أقامها في السنوات التي خلصت له فيها السلطة ، والشهرة التي تمتع بها بين معاصريه لا يزال يستأثر بانتباه الكتاب والمؤرخين . وينقسم الرأي ويختلف في تقدير آثار حكومته على البلاد وعلى أهلها عامة ، ولعل السبب في ذلك أن مصر خرجت في عهده ، ولفترة قصيرة ، من الدائرة الضيقة التي فرضتها المنازعات أو الفوضى الداخلية حولها فاشرأبت بعنقها إلى ما وراء حدودها ومدت سلطانها إلى البلدان المجاورة ، وكانت لها صلات سياسية مع إحدى الدول الأوربية الكبيرة في ذلك الحين وهي روسيا ، الأمر الذي دعا جماعة إلى تحديد غرض علي بك من نضاله المستمر الطويل بالاستقلال عن تركيا تحقيقا لرغبة « وطنية » وإرضاء « لشعور قومي » ، وقد استند أصحاب هذا الرأي في قولهم على تمجيد صاحب ( عجائب الآثار في التراجم والأخبار ) الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ، لهؤلاء الأمراء المصريين ، عموما وثنائه على حكومة علي بيك خصوصا ، وما ذكره الرحالة الفرنسي ( سافاري ) في إحدى خطاباته عن عدالة البيك الصارمة فقال ما معناه « إن المصريين سعدوا ولا شك عندما أصبحت النزاهة عنوان الإدارة الحكومية » ، وظفروا تحت حكومة علي بيك بذلك « العصر الذهبي » الذي انتظروه طويلا . ( 1 ) يرون شيئا من « الوطنية » و « القومية » في نشاط علي بيك ، لأن مصر في القرن الثامن عشر ما كانت تعرف شيئا عن الوطنية والقومية ، ولم يسبب نوع الحكم الذي أنشاه المملوك الكبير انتشار الرخاء في مصر حتى « يسعد » المصريون في هذا « العصر الذهبي » الموهوم ، بل إن الرحالة الإنجليزي ( جيمس بروس ) الذي زار القاهرة في أثناء أسفاره مرتين في سنتي 1768 ، 1773 كتب أنه لا يمكن أن يوجد على ظهر البسيطة حكومة أشد قسوة وظلما وعدوانا وطغيانا من حكومة أولئك الأشرار الذين تتالف منهم حكومة القاهرة . ( 2 ) ومع ذلك فان دراسة تاريخ علي بيك قد لا تخلو من الأهمية لأنها تبين أولا كيف أن الضعف الذي لحق بالدولة العثمانية في القرن الثامن عشر من جراء الضربات التي انهالت عليها من الدول الأوربية وخصوصا روسيا ، قد أوهن قبضتها على الأقاليم الآسيوية والإفريقية التي تألفت منها أمبراطوريتها ، فاضطربت أحوال العراق والشام ، واستفحل أمر الشيخ ظاهر العمر في عكا وفلسطين ، واستقل علي بك بملك مصر ، وانزوى الباشا العثماني في الحجاز بينما تنازع الشريفيون على الإمارة في مكة . والحق إن ثورة علي بيك في مصر ما كانت إلا مظهرا من مظاهر هذا الضعف الذي ألم بتركيا ومن آثار المرض الذي أنهك جثمانها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . وزيادة على ذلك ، فقد نجحت حركة علي بيك الاستقلالية في تحويل انتباه أوروبا من جديد نحو إحياء الطريق البري للتجارة بين الشرق والغرب عبر برزخ السويس ، ولو أن الفوضى التي تلت انقضاء عهد هذا المملوك لم تلبث أن جعلت من المتعذر الاستفادة من الطريق البري فلم يستقم أمره أخيرا إلا في عهد محمد علي باشا منشئ الدولة المصرية الحديثة .
تاريخ علي بك
( 3 ) : ولد يوسف بن داود عام 1728 في إحدى إمارات الأناضول من أسرة طيبة فكان أبوه من قسس الكنيسة الرومية وعنى بتربيته ، حتى حدث وهو في سن الثالثة عشرة أن وقع في أيدي جماعة باعته بعد ذلك إلى أحد التجار فأحضره هذا إلى مصر وباعه بدوره إلى إبراهيم بك ، واعتنق يوسف الإسلام وتسمى باسم ( علي ) ، وقد أتيحت لهذا المملوك فرصة الحج إلى مكة مع سيده إبراهيم بك شيخ البلد ( 1750 ) ، فأظهر من ضروب الشجاعة في النضال ضد البدو ما حببه إلى سيده ، فسماه « كاشفا » ، وعند ما أوقع الباشا العثماني راغب محمد ببعض البكوات المماليك على نحو ما تقدم ، انتهز إبراهيم بك هذه الفرصة فاستاثر بإحدى البكويات الخالية ، ورفع إليها مملوكه علي بعد أن حرره ، وقد أثار هذا العمل النقمة على إبراهيم من جانب أعدائه ومنافسيه وكان ذلك من أسباب قتله في النهاية . وأما علي بيك فقد صمم على الانتقام لسيده ، وأخذ من ذلك الحين يتذرع بالصبر والحيلة لبلوغ ماربه ، فاشترى العدد الوفير من المماليك ، وأغدق العطايا على الأصدقاء والأعوان ، حتى قوى شانه لدرجة أثارت عليه حفيظة خليل بك شيخ البلد ، فلم يجد علي بك مناصا في تلك الآونة من الهروب إلى الصعيد ، وقتل خليل بك جماعة من أتباعه وأصدقائه ، ومع ذلك فقد جمع علي بك حوله كثيرا من المتذمرين من شياخة خليل بك ، ونزل بهم في النيل وقاتل خليل بك وأرغمه على الانزواء في طنطا حتى سقطت طنطا في أيدي علي بك ، وانتهى المطاف بشيخ البلد إلى الإسكندرية وهناك مات مخنوقا ، وبموته انفسح المجال لعلي بك ، فتسلم الشياخة في عام 1763 .