والمشاجرة التي انتهت بسقوط كثير على الأرض والتي نشبت بينهما عندما التقيا على طعام أبي عبيدة بن زمعة وقد رآه عائدا من الشام وعليه بزة جميلة فقال له كثير : والله يا أبا محجن ان أثر الشام عليك لجميل وقد رجعت هذه الكرة ظاهر الكبر قليل الحياء . فقال له نصيب ! ولكن أثر الشام عليك يا أبا صخر غير جميل لقد رجعت وإنك لزائد النقص كثير الحماقة ( 1 ) . وقد كان نصيب أسود يكنى أبا الحجناء فقال كثير يهجوه :
( 2 ) والدافع الثاني لهجائه السياسة الأموية التي تقوم على تهييج العصبيات بين القبائل كما حدث بين كثير الذي ادعى نسبه في قريش واتخذت شكلا من أشكال النقائص ( 3 ) وإن لم تبلغ ما بلغته النقائض من تهتك وإفحاش . وأما الدافع الثالث فهو العقيدة وحب أئمة التشيع فقد هجا عبد الله بن الزبير عندما زج محمد بن الحنفية في السجن . والدافع الأخير لهجائه هو حبه لعزة فقد هجا قومها بني ضمرة وزوجها الذي يقول فيه :
( 4 ) والملاحظ ان في هجاء كثير حدة الهجاء وقسوته وإيلامه دون ان يكون فيه تبذل ولا تهتك ولا إفحاش . أما فخره فقد كان على نوعين فخر بالنفس وفخر بالقبيلة . وفخره بنفسه تنوع بين الفخر بجماله ! والفخر بمناقبه وصفاته . أما فخره بجماله فهو انعكاس لما كان عليه من قصر ودمامة :
أما فخره بقبيلته فقليل ولا نعرف بآية قبيلة قاله قريش أم خزاعة ! وهو يذكر فيه كل صفات الفروسية والفضائل التي تعتد بها العرب من الشجاعة وحماية الحمى وعزة الجانب . . . وله أبيات في العتاب والشكوى من أبناء عمه ( 5 ) كما له قصائد ومقطوعات في وصف الغمام والمطر ( 6 ) وقصائد وأبيات في وصف الأطلال والدمن الدوارس ( 7 ) ووصلتنا مقطوعات طويلة له في وصف الرحلة ( 8 ) وفي وصف الخيل وحيوان البادية وجوها ( 9 ) ومناسك الحج ( 10 ) وعلى الرغم من شهرة كثير في قول الشعر المثل فقد قال القلقشندي في ضرورة معرفة الكاتب عن تقدم في نوع من الشعر ! فالطفيل الغنوي بوصف الخيل والفرزدق بالأخبار وكثير بالأمثال . وقال أيضا وكثير عزة في أمثاله لا يعد من أمثاله ( 11 ) على الرغم من هذا فإننا لا نجد له اليوم من أمثاله وحكمه إلا أبيات قليلة مبثوثة في قصائده لا تسمح له بالمنزلة التي أجله بها القلقشندي مما يعزز فرضية الضياع القسم الأكبر من شعره . ومن أقواله في عدم الجزع عند تقلب الأحوال والصبر والتفاؤل عند الشدائد :
الخصائص العامة لشعر كثير
كان زهير بن أبي سلمى راوية لأوس بن حجر وكان كعب بن زهير بن أبي سلمى والحطيئة راويتين لزهير . وكان هدبة بن خشرم راوية للحطيئة وكان جميل بثينة راوية لهدبة بن خشرم وكان كثير عزة راوية لجميل بثينة ( 13 ) . من هذا الخبر ينطلق طه حسين ليردد ما يقوله الرواة من أن زهيرا كان يصنع شعره ويتكلفه وينفق الحول أحيانا قبل ان يظهر القصيدة من شعره . وان الحطيئة كان عبدا من عبيد الشعر يتكلفه ويشقى في صنعته وان كعبا والحطيئة كليهما قد ذكر صناعة الشعر وتثقيفه والعناء فيه . وإذن فإذا كان هذا كله حقا فانا بإزاء مدرسة شعرية معينة أستاذها الأول أوس بن حجر واستاذها الثاني زهير واستاذها الثالث الحطيئة الذي أخذ عنه في الإسلام جميل . وعن جميل أخذ كثير ( 14 ) ويرى طه حسين ان أبرز ما يميز شعراء « المدرسة الأوسية » ميزتان الأولى الخيال المادي الشديد التأثر بالحس والثانية اعتبار الشعر حرفة وصناعة وفنا يدرس ويتعلم وينشئه صاحبه إنشاء ويفكر فيه تفكيرا ويقضي في إنشائه والتفكير فيه الوقت غير القصير ( 15 )