ويضيف انه من هاتين الخصلتين استفاد الفن البياني عند هؤلاء الشعراء جميعا فكثر عندهم التشبيه والمجاز والاستعارة والافتنان فيها من هنا ان صناعة الفن البياني الخالص وتعمده والإلحاح فيه ليست كما كنا نظن مظهرا من مظاهر الحياة الأدبية الجديدة أيام بني العباس وليس مسلم ابن الوليد هو مبتكرها وإنما هي أقدم من ذلك وأبعد في تاريخ الشعر العربي نشات في العصر الجاهلي ( 1 ) وإذا عدنا إلى شعر كثير وجدناه ينتمي بالفعل إلى هذا الخط الشعري حيث ينهج منهج زهير في أحكام عرى قوافيه وأطراف معانيه . على أن أهم ما نجده في شعره من هذه الخصائص هو التفصيل في الوصف والتنسيق في العرض . بحيث لا يترك الموضوع حتى يستقصي ابعاده ويستجمع أطرافه ويستوفي كل معانيه ثم يعرضه عرضا منسقا دقيقا جليا . أما صناعته البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وخيال فكل صورها مستمدة من حياة البادية ومستوحاة من بيئتها البدوية . فانظر كيف عبر عن أحلامه في انفراده هو وعزة بعيدا عن الناس فشبه نفسه وحبيبته بجمل أجرب وناقة جرباء ضائعين :
وعند ما انشد عزة هذه الأبيات قالت : لقد أردت بنا الشقاء الطويل . أما وجدت أمنية أوطا من هذه ( 2 ) ؟ ! . والقارىء لشعر كثير يلاحظ حرصه على الاستقصاء والاستيفاء للمعاني الدقيقة التي يتحسسها في جوانب الموضوع ثم يحليها بالصور البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وتورية إلى جانب عنايته بتفصيل المعاني واستقصاء اجزاء الصور وتنسيق عرضها . كما يلاحظ عناية بارزة بجرس الألفاظ والإيقاع باستعماله ضروب البديع من جناس أو تقسيم للبيت أو سجع أو طباق بحيث نشعر بهذا الانسجام بين معاني الألفاظ وجرسها . يقول في وصف صراعه النفسي وحيرته مع عزة :
وكان كثير يحرص على نظم شعره على البحور الطويلة التي تعتبر أكثر ملاءمة لما ينشده من فخامة . أما ألفاظه فتتراوح بين الوضوح والغرابة حسب قرب الموضوع أو بعده عن حياة البادية . فلو تصفحنا قصائده في الغزل أو المديح أو الفخر أو الهجاء لوجدنا ان ألفاظه تشف عن معانيها . ولا نكاد نرى فيها تعقيدا أو غموضا . أما إذا طالعنا قصائده التي تتصل بمظاهر البادية والبداوة لوجدنا ان الغرابة تكاد تخيم على كل لفظة من ألفاظها بحيث لا يمكن معرفة معانيها إلا بالعودة إلى معاجم اللغة . وتعتبر « تائيته » ( 3 ) المشهورة خير ممثل لقدرته على استعمال الغريب .
منزلته
كان أهل الحجاز يعدونه شاعرهم ولا يقدمون عليه أحدا ( 4 ) ويذكر ابن سلام ذلك فيقول : إنه كان شاعر أهل الحجاز وإنهم ليقدمونه على كل من قدمنا - يعني جريرا والأخطل والفرزدق - وإنه كانت له منزلة عند قريش ( 5 ) وكان الشاعر مروان بن أبي حفصة يعجبه جدا مذهب كثير في المديح ويقول إنه يستقصي المديح وكذلك كان ابن فليح يقول : ما قصد القصيد ولا نعت الملوك مثل كثير ( 6 ) . وكان خلف الأحمر يقول كثير أشعر الناس في قوله لعبد الملك بن مروان :
( 7 ) وقد جعل ابن سلام كثيرا في الطبقة الثانية مع الحطيئة والبصيث والقطامي دون جرير والفرزدق والأخطل ( 8 ) وسلكه الجرجاني في عداد عمر بن أبي ربيعة وجميل ونصيب ( 9 ) وقد أشار السيد الأمين إلى تقديم أبي تمام لكثير وسبقه في النسيب ( 10 ) ويجمع الرواة على أن كثيرا أشعر الناس في عصر بني أمية ويذكرون أنه قال لعبد الملك : كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أراه يسبق السحر ويغلب الشعر . وكيف لا يصل كثير إلى هذه المنزلة وقد غنى الجمهور وغنى الملوك أطيب الغناء ؟ ( 11 ) وعلى الرغم من تحامل طه حسين الشديد عليه فإنه رأى نفسه مضطرا للقول : ليس من شك أن كثيرا قد كان شاعرا مجيدا بل عظيم الحظ من الإجادة ( 12 ) ويبدو أن كثيرا كان كذلك بالفعل فالقدماء الذين اطلعوا على