عليه ، فان أحداث المتأدبين ممن يتعاطى نظم الشعر يترفع عن مثله . . « ( 1 ) ولكن الحاتمي - وفي ظل هجومه المندفع ضد المتنبي - يتهم الشاعر بالإغارة والسرقة لمجرد اتفاق معانيه مع معاني الشعراء الآخرين ، أو لمجرد اتفاق وجود بعض ألفاظهم عنده ، وكان المعجم الشعري الذي يستخدمه أحدهم لا يحق للشعراء الآخرين أن يردوه . وعند ما قال المتنبي يرثي أم سيف الدولة :
والمدقق في هذا الاتهام وغيره من الاتهامات التي غصت بها رسالة الحاتمي ، تلك التي أنشأها لتتبع سرقات أبي الطيب وساقط شعره ، يجد أن فيها كثيرا من التعسف والتحامل لأن فيها تناسيا لعنصر التجربة الشعرية والصدق الفني الذي يغذيه ، فالشاعر الصادق هو الذي يستمد معانيه وصوره من تجربته التي يرفدها ثقافاته من أسفار وقراءة وممارسات حياتية وميول وذوق بلورته الخبرة الفنية . وتتجمع في حصيلته الفكرية والفنية كثير من روافد الثقافة التي تتعدد منابعها وتختلف ، ولكنها تنصهر في بوتقة ذاته ، وتصبح ملكا له . وبقدر ما تكون أسيرة له على قدر ما يتحكم فيها ويوجهها بشخصية مستقلة قوية يكون نجاح ذلك الشاعر . أما إذا كان أسيرا لتلك الثقافات فإنه يكون فاقد الذات الفنية المتفردة ، متصنعا وهذه أمور تكشفها عملية الإبداع الشعري . وقد حاول الحاتمي أن يناقش قضية السرقات وصلتها بثقافة الشاعر وأثرها في الإبداع الشعري ، وعرض ذلك بطريقة موضوعية في ظاهرها وذهب إلى أن المتنبي دافع عن نفسه حين اتهم بالسرقة على أساس فكرة التأثر بما يحفظ ويخاطب الحاتمي قائلا « . . أما ما نعيته علي من السرق فما يدرك أني اعتمدته ، وكلام العرب آخذ بعضه برقاب بعض ، وآخذ بعضه من بعض ، والمعاني تعتلج في الصدور ، وتخطر للمتقدم تارة وللمتاخر أخرى ، والألفاظ مشتركة مباحة . . ثم يتساءل نافيا » . . فمن هذا الذي تعرى من الاتباع ، وتفرد بالاختراع والابتداع ، لا أعلم شاعرا جاهليا ولا إسلاميا إلا وقد احتذى واقتفى . . « . ( 2 ) ويناقشه الحاتمي فيما ذهب إليه ويقول » . . وإنما حكم لهم [ للشعراء الجاهليين والإسلاميين ] بالفضل ، وسلم إليهم خصلة من أجل ما ابتدعوه من المعاني ، وسبقوا إليه من الاستعارات ، وابتكروه من التشبيهات الواقعة والأمثال الشاردة ، وذللوه من طرق الشعر الحزنة ولما تعايروا بالسرق والاجتلاب والنقل والاجتذاب . . « ثم يقول » . . فلا يتسمح الشاعر بان يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقا ملصقا ، ومجموعا ملفقا ، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره ، ويتناصر السرق في كلامه . ومن سبيل المحتذي أن يأخذ المعنى دون اللفظ ، ثم أن يطويه إن كان مكشوفا ، ويكشفه إن كان مستورا ، ويحسن العبارة عنه ، ويختار الوزن العذب له ، حتى يكون بالأسماع عبقا وبالقلوب علقا . . « ويذكر الحاتمي العديد من الأمثلة التي حدث فيها احتذاء وحدث مع الاحتذاء إجادة منها قول الأعشى :
( 3 ) وعلى ذلك فإنه يقر بالاحتذاء لا على أنه نوع من النقل والسرقة الذي تنمحي فيه شخصية الشاعر ، بل على أنه نوع من التأثر بطريقة الشاعر وأسلوبه . وهذا ما أكده عبد القاهر وطوره تطويرا ناضجا منحه طابعا فنيا راقيا ، فقد لام النقاد القدامى الذين يعيبون على الشعراء المبتدئين احتذاءهم لأشعار غيرهم من المبرزين ، ويرى أن ذلك سبيل المبتدئين وأنه طريقهم لتفتح شاعريتهم وصقلها وتدريبها على النظم ، فالفرق بين الاحتذاء والسرقة كبير ، ويعرف الاحتذاء بقوله « أن يبتدئ الشاعر من معنى له وغرض أسلوبا ( والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه ) فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب ، فيجيء به في شعره ، فيشبه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها فيقال قد احتذى على مثاله » . ( 4 ) ويذهب الدكتور مصطفى هداره إلى أن الاحتذاء والاقتداء الذي أشار إليه القدماء هو الاحتذاء الذي أقره المحدثون ، يقول « ولو أننا قارنا بين شروط السرقة الممدوحة كما قررها نقاد العرب ، وشروط الاحتذاء الفني كما قررها النقاد الأوروبيون ، فسنجد التطابق بينهما شديدا . وما ذاك إلا لأن السرقة الممدوحة عند العرب إنما تعني الاحتذاء بمعناه الفني ، وهي التي يرضى عنها نقاد العرب الذين لا يتعصبون للقديم » . ( 5 ) وفي النقد العربي الحديث عالج الدكتور محمد مندور هذه القضية معالجة دقيقة أوجب بمقتضاها التمييز بين أشياء هي : 1 - الاستيحاء : وهو أن يأتي الشاعر أو الكاتب بمعان جديدة تستدعيها مطالعاته فيما كتب الغير . 2 - استعارة الهياكل : كان يأخذ الشاعر أو الكاتب موضوع قصيدته أو قصته عن أسطورة شعبية أو خبر تاريخي وينفث الحياة في هذا الهيكل حتى ليكاد يخلقه من العدم . 3 - التأثر : وهو أن يأخذ شاعر أو كاتب بمذهب غيره في الفن أو