وعلى ذلك فإنه يرى أنه لا بد لكل صورة خيالية من حقيقة واقعية : وذلك ما يبرز الفارق بين الاتجاه الكلاسيكي وبين الاتجاه الثائر الذي يمثله عبد القاهر الذي يذهب إلى أن التشبيه كلما كان أشد خفاء كانت الاستعارة أروع ، ولذا فان الاستعارة المكنية أقوى من الاستعارة التصريحية لما فيها من الخيال الذي يجعل « الصور التي تحدث للمعاني بسببه ، آنق وأعجب » . ( 1 ) ولأنها الأقدر على إعادة بناء العلاقات بين الأشياء عن طريق الكشف عن خصائص الأشياء وجواهرها . كما يرى النقد الحديث .
موقف الحاتمي من القدم والحداثة
لأنه أتى فيه ببيت مردف في قصيدة غير مردفة ، وعد هذا شاذا . وعند ما رد عليه المتنبي بان هذا الشعر « عذب على اللسان غير قلق في الإنشاد » ذهب إلى أن « قوما لا علم لهم لا يرون هذا شاذا ، ولا يرون الواو المفتوح ما قبلها ولا الياء شاذا ردفا ، يزعمون أنهما ليسا بحرفي مد ، لأن الصوت لا يمتد بهما كامتداده بالياء والواو المكسورة والمضموم ما قبلها . وذلك غلط من قائله . ثم يقول » . . فليس لمحدث أن يرتكب مثل ذلك ، ولا يتسمح في قوافيه بشيء من المعائب وإن كانت موجودة في أشعارهم على طريق الشواذ « . ( 2 ) وعلى ذلك فان الحاتمي لا يفسح مجالا واسعا للإبداع والتفنن ، بل يقيس الأمور بمقياس كلاسيكي محافظ ، يقوم على قدر قرب ذلك النتاج أو بعده عن الأصل النموذجي الموروث . ومن أدلتنا على ذلك الموقف قوله معقبا على قول الشاعر :
ثم يعقب على هذه الأبيات متسائلا « أفيجوز لمحدث أن يأتي بمثل هذا ويحتج به أو بمثله ؟ كلا » . فيقول المتنبي مؤكدا اتجاهه المضاد - وبالضد يظهر الضد - « قد أكثرت القول فيما لا اعتد بشيء منه ، وإنما أجري على طبعي ، وأقول ما يسوغه لساني » . ( 3 ) وهكذا يتضح موقفه في مناصرته للقديم ومواجهته لكل حديث . ويلجا الحاتمي - كذلك - إلى المقاييس الكلاسيكية في تقويم معاني الشعراء ، ذلك المقياس الذي يبني على ما ألفه العرب من المعاني وما تداولوه وتعارفوا عليه ، دون أن يطلق العنان للشعراء كي يبدعوا ويضيفوا بذلك رصيدا هائلا إلى القيم الفنية والفكرية التي تركها أسلافهم ، لا أن يقتفوا آثارهم ويعيشوا على فتاتهم يجترون ما تصل إليه أيديهم ، فهو يعقب على قول المتنبي :
ويذهب إلى أن هذا البيت مخالف للموروث من التعبيرات الجارية ، ثم يقول « أهكذا ينسب بالمحبين ؟ . . » ( 4 ) . وكذلك يعيب قول المتنبي في وصف الغيث :
( 5 ) وهذه دعوة صريحة إلى التحجر في أطر القوالب التعبيرية الجاهزة التي ألفها الشعراء . ولعل تلك الدعوة قد وقفت حاجزا بين الشعر العربي وبين النماء والتقدم والازدهار ، ولبس الكسوة ذاتها مع بعض التزويق والزخرفة الخارجية طوال الفترة الممتدة حتى الحرب العالمية الأولى . . إلى أن قامت ثورة عارمة على الاتجاه الكلاسيكي الجديد ، تلك الثورة التي قادها فرسان مدرسة الديوان في مصر العقاد والمازني وشكري ، وإن كان قد سبقتهم دعوات بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من أمثال سليمان البستاني وإبراهيم اليازجي وخليل مطران وغيرهم من الذين تأثروا بالاتجاه الرومانسي في الغرب .