ألفاظه عذبة مصطحبة ومعانيه لطيفة واستعاراته واقعة ، وتشبيهاته سليمة . وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن متخير القافية ، رائع الابتداء بديع الانتهاء « . ( 1 ) وفي إطار هذه المقاييس التي وضعها الحاتمي لجودة الشعر ، فقد عاب الألفاظ الجافية عند المتنبي في قوله :
ثم يذهب إلى أن لفظة التوارب على سلامة مصدرها جافية جدا « . ( 2 ) وعلى ذلك فإنه يرى أن صحة اللفظ من حيث وضعه اللغوي لا يكفي لاستساغة استعماله وتذوقه . وهذا تحرك مرن في دائرة الاتجاه الكلاسيكي ، لأن جفاء اللفظ لا يعني عدم صلاحيته ، بل قد يكون أكثر ملاءمة للمقام أو الموقف العاطفي أو الفكري الذي تعبر عنه تلك الألفاظ . وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الألفاظ الخشنة التي يتعذر استبدالها بغيرها لعميق ارتباطها بالسياق ككلمة ( ضيزى ) في قوله تعالى : « . . * ( قسمة ضيزى ) * » أي جائرة ، وفي تلك الخشونة ما يتلاءم وطبيعة الجور . والشيء اللافت للنظر عند نقادنا العرب القدامى هو سلخ اللغة وغيرها من العناصر الأصلية في البناء الأدبي عند التجربة الأدبية ، ثم تقويمها والنظر إليها منفصلة عن سياقها ، لأن النظرة هي التي تتحكم في ذلك التقويم وتوجهه . فالعمل الأدبي عمل فني متكامل لا يمكن تقويم أي جزء فيه بدون النظر إلى الأجزاء الأخرى . والنقد اللغوي يبرز في نقد الكلاسيكيين بكثرة وهو متوافر في مواجهة الحاتمي للمتنبي . ولست أعترض على ذلك النمط النقدي ولكني أرى أنه يظل جزئيا يدور في فلك النقد الفني بعامة . فكل لغة من اللغات لها قوانينها وقواعدها التي يمكن عن طريقها فهم العلاقات بين الكلمات ، بل العلاقات بين الجمل المختلفة في التراكيب اللغوية ، وينتج عن تجاوزها وإهمالها غموض اللغة وانحلالها ، بل قد يؤدي ذلك إلى ذوبان كثير من خصائصها الجوهرية ، ولكن هذه الأهمية التي نوليها للغة وتراكيبها لا يعني أن نقف متسمرين عند القوالب اللغوية الجامدة الجافة وأن نستهلك كل ما لدينا من إمكانيات في تتبع هفوات الأدباء ، والوقوف عند تلك الوظيفة الفرعية كما يفعل النقاد الكلاسيكيون . والحاتمي واحد من أولئك النقاد القدامى الذين عنوا بالنقد اللغوي عناية بالغة . وفي رسالته الموضحة وقف عند حد تتبع سقطات المتنبي ولم يضع أيدينا على تلك المواطن التي أجاد في اختيار ألفاظها حتى نتمكن من اكتشاف الخصائص التي بتوفرها تتحقق الجودة . فقد عاب الحاتمي استعمال المتنبي لكثير من الألفاظ منها كلمة ( كلوذا ) في قوله :
وقد رد هذا على البحتري وخطأ في تشديده الياء . ( 3 ) وعلى الرغم من أن البحتري من الشعراء الذين يعتد باشعارهم ويستشهد بها لأنه يمثل العموديين فقد خطاه النقاد لخروجه عن القواعد الثابتة للغة العربية . وقد أدى ذلك الموقف النقدي المتحجر - الذي يتصدى للتطور مهما كان طابعه - إلى توقف النمو والازدهار للغة ومفرداتها . ولم يكن خط موسيقى الشعر وقوافيه أكثر وفرة ، لأن ما ورد عن العرب كان النموذج الأرقى والمثال المحتذى ، فالقافية - مثلا - لها أهمية كبيرة - عنده - كما كان لها ذلك القدر عند العرب القدامى . وفي تطبيقه للمقاييس التي وضعها لجودة الشعر أخذ على المتنبي تكلف القافية في قوله :