كأنما استخفى السها خيفة
وطولب النجم بثار فثار
لذاك ما شابت نواصي الدجى
وطارح النسر أخاه فطار
وفي الثريا قمر سافر
عن غرة غير منها السفار
كان عنقودا تثني به
إذ صار كالعرجون عند السرار
كأنها تسبك ديناره
وكفها يفتل منه السوار
كأنما الظلماء مظلومة
تحكم الفجر عليها فجار
كأنما الصبح لمشتاقه
عز غنى من بعد ذلك افتقار
كأنما الشمس وقد أشرقت
وجه أبي عبد الإله استنار
محمد محمد كاسمه
شخص له في كل معنى يشار
أما المعالي فهو قطب لها
والقطب لا شك عليه المدار
مؤثل المجد صريح العلا
مهذب الطبع كريم النجار
تزهى به لخم وساداتها
وتنتمي قيس له في الفخار
يفيض من جود يديه على
عافيه ما منه تحار البحار
اليمن من يمناه حكم جرى
واليسر من شيمة تلك اليسار
أخ صفا منه لنا واحد
فالدهر مما قد جنى في اعتذار
فان شكرنا فضله مرة
فقد سكرنا من نداه مرار
ونحن منه في جوار العلا
تدور للسعد بنا منه دار
الحافظ الله وأسماؤه
لذلك الجار وذاك الجوار
وقال أيضا :
وليل صبابة كالدهر طولا
تنكر لي وعرفه التمام
كان سماءه روض تحلى
بزهر الزهر ، والشرق الكمام
كان البدر تحت الغيم وجه
عليه من ملاحته لثام
كان الكوكب الدري كأس
وقد رق الزجاجة والمدام
كان سطور أفلاك الدراري
قسي والرجوم لها سهام
كان مدار قطب بنات نعش
ندي والنجوم به ندام
كان بناته الكبرى جوار
جوار والسهى فيها غلام
كان بناته الصغرى جمان
على لباتها منه نظام
كواكب بت أرعاهن حتى
كاني عاشق وهي الذمام
إلى أن مزقت كف الثريا
جيوب الأفق وانجاب الظلام
فما خلت انصداع الفجر إلا
قرابا ينتضى منه حسام
وما شبهت وجه الشمس إلا
بوجهك أيها الملك الهمام
وإن شبهته بالبدر يوما
فللبدر الملاحة والتمام
وقال أيضا :
عللاني بذكر تلك الليالي
وعهود عهدتها كاللآلي
لست أنسى للحب ليلة أنس
صال فيها على النوى بالوصال
غفل الدهر والرقيب وبتنا
فعجبنا من اتفاق المحال
ضمنا ضمة الوشاح عناق
بيمين معقودة بشمال
فبردت الحشا بلثم برود
لم يزل بي حتى خبا لي خبالي
وكئوس المدام تجلو عروسا
أضحك المزج ثغرها عن لآل
ولنحر الدجى ذوابل شمع
عكست في الزجاج نور الذبال
والثريا تمد كفا خضيبا
أعجمت بالسماك نون الهلال
وكان الصباح إذ لاح سيف
ينتضى من غين وميم ودال
ومسحنا الكرى إلى غانيات
غانيات بكل سحر حلال
في رياض تبسم الزهر فيها
لغمام بكت دموع دلال
وجرى عاطر النسيم عليلا
يتهادى بين الصبا والشمال
فاكتسى النهر لأمة منه لما
أن رمى القطر نحوه بنبال
يا ليالي منى سلام عليها
أتراها تعود تلك الليالي ؟ !
وقال أيضا :
ما ضر من يمنعني قربه
لو جاء في الهجر بما يقرب
ما ضره - والأمر في حكمه -
لو قبل الرغبة إذ يرغب
أضرب عني حين لا حيلة
فصار وجدي مثلا يضرب
عجبت للصبر على صده
لكن عيشي بعده أعجب
الجور منه وله المشتكى
والعذر مني وهو المذنب
رضيت بالأمر على حاله
فليت شعري ما له يغضب ؟
وقال أيضا :
قطع قلبي بصده قطعا
وإنما ضرني وما انتفعا
وغرني أولا بوصلته
وعند ما لذ وصله قطعا
ومر عني لما شكوت له
كأنه ما رأى وما سمعا
وا كبدي - لو تفيد « وا كبدي » -
لم يترك الدهر فيه لي طمعا
يا ليت قلبي الذي وهبت له
يرجع لي اليوم كيفما رجعا !
وقال أيضا :
يا سالب القلب مني عندما رمقا
لم يبق حبك لي صبرا ولا رمقا
لا تسأل اليوم عما كابدت كبدي
ليت الفراق وليت الحب ما خلقا
ما باختياري ذقت الحب ثانية
وإنما جارت الأقدار فاتفقا
وكنت في كلفي الداعي إلى تلفي
مثل الفراش أحب النار فاحترقا
يا من تجلى إلى سري فصيرني
دكا وهز فؤادي عندما صعقا
انظر إلي فان النفس قد تلفت
وارفق علي فان الروح قد زهقا
وقال أيضا :
أيا أضلعا حرها يلهب
ويا أدمعا درها ينهب
عجيب لعمرك شان الهوى
ولكن صبري له أعجب