الأندلس الباقية ، فيما بين نهر الوادي الكبير والبحر المتوسط ، وبين نهر المنصورة ونهر وادي لكه . وكان ابن الأحمر يرقب هذا التيار الجارف جزعا ، ويحاول أن يقف في سبيله بسائر الوسائل ، ومنها وفي مقدمتها مصانعة ملك قشتالة القوي فرناندو الثالث . وقد ذهب ابن الأحمر في هذه المصانعة إلى حد أن ارتضى في معاهدة المهادنة والصلح التي عقدها مع هذا الملك القاهر ، أن يعترف بحمايته وان يحكم أراضيه باسم ملك قشثالة ، وان يؤدي له الجزية ، وان يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي ( الكورتيس ) باعتباره من الأمراء التابعين للعرش ، وأخيرا أن يعاونه في حروبه ببعض قواته . بل لقد ارتضى ابن الأحمر ، تنفيذا لهذا الاتفاق ان يعاون قشتالة ببعض قواته في محاصرة إشبيلية ، وان يشترك بذلك في افتتاح هذه الحاضرة الأندلسية التالدة لحساب النصارى . وقد كان هذا التصرف مهينا ومشينا معا للأمير المسلم . ولكنه لم يجد مندوحة من اتباعه حرصا على صون مملكته الفتية وحمايتها من المصير الذي انتهت اليه الأندلس الكبرى . وقد تضمنت معاهدة الهدنة والصداقة فوق ذلك كله ، ان يتنازل الملك المسلم إلى ملك قشتالة عن عدد كبير من البلاد والحصون ، منها شريش ، والمدينة ، والقلعة ، وقادس ، وغيرها . وقيل إن ما تنازل عنه ابن الأحمر يومئذ للنصارى قد بلغ أكثر من مائة موضع ، معظمها في غربي الأندلس . وكان ذلك في سنة 665 ه ( 1267 . م ) وهكذا فقدت الأندلس معظم قواعدها التالدة في نحو ثلاثين عاما فقط ( 627 - 655 ه ) في وابل مروع من الأحداث والمحن . واستحال الوطن الأندلسي الذي كان قبل قرن فقط يشغل نحو نصف الجزيرة الإسبانية ، إلى رقعة متواضعة ، هي مملكة غرناطة الصغيرة . وقد أثارت هذه المحن التي توالت على الأندلس في تلك الفترة المظلمة من تاريخها لوعة الشعر والأدب . وهنا وفي هذه الآونة بالذات ، وعلى ضوء هذه الظروف المؤسية التي تنازل فيها ابن الأحمر عن عشرات البلاد والحصون الإسلامية للنصارى : هنا نظم شاعر العصر ، أبو الطيب الرندي مرثيته الشهيرة ، التي ما زالت تعتبر حتى اليوم من أعظم المراثي القومية وأبلغها تأثيرا في النفس ، وفيها يبكي قواعد الأندلس الذاهبة ، ويستنهض همم المسلمين أهل العدوة ، لانجاد الأندلس وغوثها . ولدينا لتأييد هذه الحقيقة في توقيت نظم القصيدة الشهيرة ، وظروف نظمها ، نصان تاريخيان معاصران ، الأول : وهو نص صاحب « الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية » وقد عاش في أواخر القرن السابع معاصرا لابن الأحمر الكبير ، وأبي الطيب الرندي وفيه يقول : « ولما أعطى ابن الأحمر البلاد المذكورة للاذفونش قال الفقيه أبو محمد بن شريف الرندي يرثي الأندلس ، ويستنصر بأهل العدوة ، من مرين وغيرهم » . ثم يورد قصيدة الرثاء بأكملها . ( 1 ) والثاني ، وقد كتب بعد ذلك بقليل ، في أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن ، هو نص ابن عذاري المراكشي ، حيث يقول في نهاية الجزء الثالث من كتابه الجامع « البيان المغرب » ، ما يأتي : « وفي هذه السنة » وهي سنة خمس وستين وستمائة صالح الأمير أبو عبد الله بن الأحمر ملك النصرانية ، الأذفونش ، على يد ولده الأمير أبي عبد الله . وقيل إن الصلح انعقد بينهما على نحو أربعين مسورا من بلاد المسلمين - أعادها اليه - وقيل إن أكثرها بغرب الأندلس ، ومن جملة تلك البلاد مدينة شريش ، والمدينة والقلعة ، ويجير وغير ذلك . . . وقد رثى الأندلس كثير من الأدباء . فمن ذلك قول صالح بن شريف من قصيدة . ثم أورد من القصيدة سبعة عشر بيتا مع تغييرات في نصوص بعض الشطرات . ووردت منها الأبيات المشهورة :
( 2 ) وإذن فالحقيقة التاريخية هي أن مرثية الأندلس ، لم تنظم لرثاء سقوط الأندلس النهائي ، كما كان الاعتقاد شائعا لدى معظم الدوائر الأدبية والتاريخية ، حتى عصر المقري ( القرن الحادي عشر الهجري أو السابع عشر الميلادي ) وانما نظمت رثاء لسقوط القواعد الأندلسية الكبرى ، في النصف الأول من القرن السابع الهجري ، حسبما بينا من قبل ، وهي التي ذكرها أبو الطيب في قصيدته صراحة على النحو الآتي :