إِرادتهم وعلمهم وقدرتهم ، فيتصرف فيهم إِرادته وقدرته وعلمه سبحانه ،
فلا يشاؤون إِلاّ أَن يشاء الله ، ولا يريدون سوى ما أَراد الله ، ويتصرفون في
الأَشياء بقدرة الله ، فيحيون الموتى ، ويردون الشَّمس ، ويشقون القمر ، كما قال
أَمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
" ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ، بل بقوة ربانية " .
والمعنى الذي يمكن فهمه ولا ينافي أُصول الدِّين من الفناء في الله والبقاء بالله
هو هذا المعنى ( 1 ) ، وبعبارة اُخرى : الحجب النورانية الموانع التي للعبد عن الوصول
هامش
1 . الطريق الذي سلكه العلاّمة المؤلّف - رضوان الله عليه - في كلامه هذا أشبه بطرق أهل الذوق وبياناتهم فلا بأس
بالإشارة إلى طريق أهل البحث والنظر ليكون النفع أعم والفائدة أتم والله المستعان .
" العالم المادي عالم الحركة والتكامل ، والنفس أيضاً لتعلّقها بالبدن المادي ، بل اتحادها به محكوم بهذا
الحكم فهي لا تزال تسير في منازل السير وتعرج على مدارج الكمال وتقترب إلى الحقّ المتعال ، حتّى تصل إلى
ثغور الإمكان والوجوب فعندئذ ينتهي السير ويقف الحركة ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) ومنازل السير هي
المراتب المتوسطة بين المادة وبين أشرف مراتب الوجود ، وهي بوجه ينقسم إلى مادية وغير مادية .
والأُولى : هي المراحل التي تقطعها حتّى تصل إلى حد التجرّد .
والثانية : هي المراتب الكمالية العالية التي فوق ذلك وحيث إنّ نسبة كلّ مرتبة عالية بالنسبة إلى ما تحته
نسبة العلة إلى المعلول ، والمعنى الاسمي إلى الحرفي ، والمستقل إلى غير المستقل كانت المرتبة العالية مشتملة
على كمالات المرتبة الدانية من غير عكس ، فكلما أخذ قوس الوجود في النزول ضعفت المراتب وكثرت
الحدود العدمية ، وكلما أخذ في الصعود اشتدّت المراتب وقلّت الحدود إلى أن تصل إلى وجود لا حدَّ له أصلاً
ووصول النفس إلى كلّ مرتبة عبارة عن تعلّقها بتلك المرتبة ، وبعبارة أُخرى : بمشاهدة ارتباطها بها بحيث لا
ترى لنفسها استقلالاً بالنسبة إليها ، وإن شئت قلت : بفنائها عن ذاتها وخروجها عمّا له من الحدود بالنسبة إليها .
وبعد هذه المقدّمة نقول : الحدود اللازمة لكلّ مرتبة العارضة لحقيقة وجود الشيء الذي في تلك المرتبة ،
هي التي تحجب ذلك الشيء من الوصول إلى المرتبة العالية وإدراك مالها من الكمال والعظمة ، فإذا خرج الشيء
عن هذه الحدود وخلع تلك القيود أمكنه الترقّي إلى درجة ما فوقه فيرى عندئذ ذاته متعلّقة به غير مستقلّة عنه
ويعرف ماله من البهاء والشرف والكمال والعظمة ، فتلك الحدود هي الحاجبة عن حقيقة الوجود المطلقة عن
كلّ قيد فالنفس الوالهة إلى اللذائذ المادية هي المتوغّلة في ظلمات الحدود وغواشي القيود ، وهي أبعد النفوس
عن الحقّ تعالى ، فكلّما انخلعت من القيود المادية وقطعت تعلّقها عن زخارف هذه الدنيا الدنية اقتربت من عالم
النور والسرور والبهاء والحبور ، حتّى تتجرد تجرداً سامياً فتشاهد نفسها جوهراً مجرداً عن المادة والصورة
وعند ذلك خرجت عن الحجب الظلمانية ، وهي حقيقة الذنوب والمعاصي والأخلاق الذميمة ، ورأسها حبّ
الدنيا والإخلاد إلى أرض الطبيعة ، وقد روى الفريقان عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : " حب الدنيا رأس كلّ خطيئة " لكنّها بعد
محتجبة بالحجب النورانية وهي ألطف وأرق ، ولذا كان تشخيصها أصعب ، ومعرفتها إلى الدقة والحذاقة أحوج ،
فربّ سالك في هذه المسالك لما شاهد بعض المراتب الدانية زعم أنّه وصل إلى أقصى الكمالات وأرفع
الدرجات ، وصار ذلك سبباً لتوقّفه في تلك المرتبة واحتجابه بها ، ونِعم ما قيل :
رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها وتشابه الأمر
فكأنّها خمر ولا قدح * وكأنّها قدح ولا خمر
فمن شمله عناية الحقّ وساعده التوفيق فخصه الله بعبادته ، وهيم قلبه لإرادته ، وفرغ فؤاده لمحبته ، وأزال
محبة الأغيار عن قلبه ، وأشرق له نوره ، وكشف له سبحات وجهه ، ورفع عنه حجب كبريائه وسرادقات عزّه
وجلاله ، وتجلّى له في سرّه ، ثم وفّقه للاستقامة في أمره والتمكّن في مقامه فارتفع عنه كلّ حجاب ، وتعلّق بعز
قدس ربّ الأرباب ، فقد هنأ عيشه وطاب حياته فطوبى له ثُمّ طوبى له . وقد ظهر مما ذكرنا أنّ معنى ارتفاع
الحجاب مشاهدة عدم استقلال النفس فلا يوجب ارتفاع الحجب كانعدام العالم رأساً ، بل إنّما يوجب معاينة ما
سوى الله تعالى متعلّقاً به غير مستقل بنفسه فلا يلزم منه محال ولا ينافي شيئاً من أُصول الدين والله الهادي
والمعين " ( بحار الأنوار : 58 / 48 هامش المصدر ) .