يَغتَذي بِاللَّبنِ ما دامَ رَطبَ البَدَنِ ، رَقيقَ الأَمعاءِ ، لَيِّنَ الأَعضاءِ ، حَتّى إِذا
تَحَرَّكَ وَاحتاجَ إِلى غِذاء فيهِ صَلابَةٌ لِيَشتَدَّ ويَقوى بَدَنُهُ طَلَعَت لَهُ الطَّواحِنُ
مِنَ الأَسنانِ وَالأَضراسِ ، لِيَمضَغَ بِهِ الطَّعامَ فَيَلينَ عَلَيهِ ويَسهُلَ لَهُ إِساغَتُهُ ،
فَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتّى يُدرِكَ ، فَإِذا أَدرَكَ وكانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعرُ في وَجهِهِ ،
فَكانَ ذلِكَ عَلامَةُ الذَّكَرِ وعَزَّ الرَّجُلُ الَّذي يَخرُجُ بِهِ مِن حَدِّ الصَّبا وشَبَهَ
النِّساءِ ، وإِن كانَت أُنثى يَبقى وَجهُها نَقِيّاً مِنَ الشَّعر ، لِتَبقى لَهَا البَهجَةُ
وَالنَّضارَةُ الَّتي تُحَرِّكُ الرِّجالَ لِما فيهِ دَوامُ النَّسلِ وبَقاؤُهُ .
اِعتَبِر - يا مُفَضَّلُ - فيما يُدَبّرُ بِهِ الإِنسانُ في هذِهِ الأَحوالِ المُختَلِفَةِ ، هَل
تَرى يُمكِنُ أن يَكونَ بِالإِهمالِ ؟ أفَرَأَيتَ لَو لَم يَجرِ إِلَيه ذلِكَ الدَّمُ وهُوَ فِي
الرَّحِمِ ؛ ألَم يَكُن سَيَذوي ويَجِفُّ كَما يَجِفُّ النَّباتُ إِذا فَقَدَ الماءَ ؟ ولَو لَم
يُزعِجهُ المَخاضُ عِندَ استِحكامِهِ ؛ ألَم يَكُن سَيَبقى فِي الرَّحِمِ كَالمَوؤودِ
فِي الأَرضِ ؟ ولَو لَم يُوافِقهُ اللَّبنُ مَعَ وِلادَتِهِ ؛ ألَم يَكُن سَيَموتُ جوعاً ، أو
يَغتَذي بِغِذاء لا يُلائِمُهُ ولا يَصلَحُ عَلَيهِ بَدَنُهُ ؟ ولَو لَم تَطلَع عَلَيهِ الأَسنانُ
في وَقتِها ؛ ألَم يَكُن سَيَمتَنِعُ عَلَيهِ مَضغُ الطَّعامُ وإِساغَتُهُ ، أو يُقيمُهُ عَلَى
الرِّضاعِ فَلا يَشُدّ بَدَنُهُ ، ولا يَصلَحَ لِعَمَل ؟ ثُمَّ كانَ تَشتَغِلُ أُمُّهُ بِنَفسِهِ عَن
تَربِيَةِ غَيرِهِ مِنَ الأَولادِ ، ولَو لَم يَخرُجِ الشَّعرُ في وَجهِهِ في وَقتِهِ ؛ ألَم يَكُن
سَيَبقى في هَيئَةِ الصِّبيانِ وَالنِّساءِ ؛ فَلا تَرى لَهُ جَلالَةً ولا وَقاراً ؟
فَإِن كانَ الإِهمالُ يَأتي بِمِثلِ هذَا التَّدبيرِ فَقَد يَجِبُ أن يَكونَ العَمدُ
وَالتَّقديرُ يَأَتِيانِ بِالخَطَأَ وَالمُحالِ ؛ لأَِنَّهُما ضِدُّ الإِهمال ، وهذا فَظيعٌ مِنَ
القَولِ ، وجَهلٌ مِن قائِلِهِ ؛ لاَِنَّ الإِهمالَ لا يَأتي بِالصَّوابِ ، وَالتَّضادَّ لا يَأتي
بِالنِّظامِ ، تَعالَى اللهُ عَمّا يَقولُ المُلحِدونَ عُلُوّاً كَبيراً . ( 1 )
هامش
1 . بحار الأنوار : 3 / 62 عن المفضّل بن عمر في الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل .