والشهور والأعوام والملائكة الكرام ؟ ! وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته
وانتهرته ووثبت عليه وضربته ، فعمدت يوماً إلى شيء من الورق ( 1 ) وكانت في
الخبأ ، فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه ، فما نعني عن أخذها فأوجعته
ضرباً ولويت يده وأخذتها ومضيت ، فأومأ بيده إلى ركبتيه يروم النهوض من
مكانه ذلك ، فلم يطق يحركها من شدّة الوجع والألم فأنشأ يقول :
جرت رَحمٌ بيني وبين منازِل * سواءً كما يستنزل القطرَ طالبُه
وربّيتُ حتى صار جَلداً شمردلا * إذا قام ساوى غاربَ الفحل غاربُه
وقد كنتُ أُوتيه من الزاد في الصبى * إذا جاع منه صفوه وأطايبه
فلمّا استوى في عُنفوان شبابه * وأصبح كالرمح الرُّديني خاطبه
تهضَّمني مالي كذا ولوى يدي * لوى يدَه اللهُ الذي هو غالبه
ثمّ حلف بالله ليقدمن إلى بيت الله الحرام فيستعدي الله عليّ .
قال : فصام أسابيع وصلّى ركعات ودعا ، وخرج متوجّهاً على عيرانة ( 2 ) يقطع
بالسير عرض الفلاة ويطوي الأودية ويعلو الجبال حتى قدم مكّة يوم الحجّ
الأكبر ، فنزل عن راحلته وأقبل إلى بيت الله الحرام ، فسعى وطاف به وتعلّق
بأستاره وابتهل وأنشأ يقول :
يا مَن إليه أتى الحُجّاج بالجُهدِ * فوق المهاوي من أقصى غاية البُعدِ
إنّي أتيتك يا من لا يُخيّب مَن * يدعوه مُبتهلا بالواحد الصمدِ
هذا منازلُ لا يرتاع من عَقَقي * فخُذ بحقّيَ يا جبارُ من وَلَدي
حتى تشلَّ بعون منك جانبَه * يا من تقدَّس لم يُولد ولم يَلِد
هامش
( 1 ) الورق : الدراهم ( لسان العرب : 10 / 375 ) .
( 2 ) العَيرانة من الإبل : الناجية في نشاط ، سمّيت لكثرة تَطْوافِها وحركتها ( تاج العروس : 7 / 282 ) .