فيما تُحِبّ . قُرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى . يمزج الحلم بالعلم ،
والقول بالعمل . تراه قريباً أملُه ، قليلاً زللُه ، خاشعاً قلبُه ، قانعةً نفسه ، منزوراً ( 1 )
أكله ، سهلاً أمرُه ، حريزاً دينُه ، ميّتة شهوته ، مكظوماً غيظه . الخير منه مأمول ،
والشرّ منه مأمون . إن كان في الغافلين كُتب في الذاكرين ، وإن كان في الذاكرين
لم يُكتَب من الغافلين . يعفو عمّن ظلمه ، ويُعطي من حرمه ، ويصل من قطعه .
بعيداً فُحشُه ، ليّناً قوله ، غائباً مُنكَره . حاضراً معروفه ، مقبلاً خيره ، مدبراً شرّه .
في الزلازل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور . لا يحيف على من
يُبغِض ، ولا يأثم فيمن يُحبّ . يعترف بالحقّ قبل أن يُشهَد عليه . لا يُضِيع ما
استُحفِظ ، ولا ينسى ما ذُكِّر ، ولا ينابِز بالألقاب ، ولا يضارّ بالجار ، ولا يَشمَت
بالمصائب ، ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحقّ .
إن صمت لم يغمّه صمته ، وإن ضحك لم يعلُ صوته ، وإن بُغِي عليه صبر حتى
يكون الله هو الذي ينتقم له . نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة . أتعب نفسه
لآخرته ، وأراح الناس من نفسه . بُعدُه عمّن تباعد عنه زهدٌ ونزاهة ، ودنوّه ممّن
دنا منه لينٌ ورحمة . ليس تباعده بكِبْر وعظمة ، ولا دنوّه بمكر وخديعة .
قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها .
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أما والله لقد كنت أخافها عليه . ثمّ قال : أهكذا تصنع
المواعظ البالغة بأهلها ؟ فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين !
فقال ( عليه السلام ) : ويحك ! إنّ لكلّ أجل وقتاً لا يعدوه ، وسبباً لا يتجاوزه . فمهلاً لا تعُد
هامش
( 1 ) أي قليلاً ( النهاية : 5 / 40 ) .