فُرجها ، ولاحم صدوع انفراجها ، ووشّج بينها وبين أزواجها ، وذلّل للهابطين
بأمره والصاعدين بأعمال خلقه حُزونة ( 1 ) مِعراجها ، وناداها بعد إذ هي دُخان ( 2 ) ،
فالتحمت عُرى أشراجها ( 3 ) ، وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها ، وأقام رصداً من
الشهُب الثواقب على نقابها ، وأمسكها من أن تمور في خَرق الهواء بأيده ( 4 ) ،
وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره ، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، وقمرها آية
ممحُوَّة من ليلها ، وأجراهما في مناقل مجراهما . وقدّر سيرهما في مدارج
درجهما ؛ ليميّز بين الليل والنهار بهما ، وليُعلم عددُ السنين والحسابُ
بمقاديرهما . ثمّ علّق في جوّها فلكها ، وناط بها زينتها من خفيّات دراريِّها
ومصابيح كواكبها ، ورمى مُسترقِي السمع بثواقب شُهبها وأجراها على أذلال ( 5 )
تسخيرها من ثبات ثابتها ومسير سائرها وهبوطها وصعودها ونحوسها
وسعودها ( 6 ) .
هامش
( 1 ) الحُزُونة : الخُشونة ( النهاية : 1 / 380 ) .
( 2 ) يتصوّر علماء الفلك اليوم أنّ أوّل نشوء الكون كان نتيجة انفجار كبير شاع منه دخان مؤلّف من دقائق
ناعمة ، وساد عندها في الكون سكون وظلام دامس ، ثمّ بدأت الذرّات تتجمّع في مناطق معيّنة مشكّلة
أجراماً ، ما لبثت أن بدأت فيها التفاعلات النوويّة ، التي جعلت هذا الأجرام نجوماً مضيئة . وفي قول
الإمام : " فالتحمت عرى أشراجها " تشبيه لنجوم المجرّة بالحلقات المرتبطة ببعضها بوشاج الجاذبيّة
والتأثير المتبادل . وبعد نشوء النجوم الملتهبة الدائرة بدأت تقذف بالحمم التي شكّلت الكواكب
السيّارة كالأرض وغيرها ، وهو ما عبّر عنه الإمام ( عليه السلام ) ب " وفتق بعد الارتتاق " ( تصنيف نهج البلاغة :
779 ) .
( 3 ) أسَرَجْتُ العَيبةَ وشرَجْتُها إذا شَددْتُها بالشَّرَجِ وهي العُرَى ( النهاية : 2 / 456 ) .
( 4 ) الأيدُ : القُوّة ( النهاية : 1 / 84 ) .
( 5 ) أذلال : على وجوهِه وطرُقه ، وهو جمع ذِلٍّ ( النهاية : 2 / 166 ) .
( 6 ) نهج البلاغة : الخطبة 91 عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، بحار الأنوار : 57 / 108 / 90 .