تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
وشدّوها على الرحال ، وأقبلوا بها تخبط الفيافي ( 1 ) ، وتقطع البراري ، وتنبح عليها كلاب الحوأب ، وتظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة وعند كلّ حال ، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الأُولى في حياة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، حتى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم ، طويلة لحاهم ، قليلة عقولهم ، عازبة آراؤهم ، وهم جيران بدو ، وورّاد بحر ، فأخرجَتهم يخبطون بسيوفهم من غير علم ، ويرمون بسهامهم بغير فهم . فوقفتُ من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلّة المكروه ؛ ممّن إن كففتُ لم يرجع ولم يعقل ، وإن أقمت كنت قد صرت إلى التي كرهت ، فقدّمت الحجّة بالإعذار والإنذار ، ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها ، والقوم الذين حملوها على الوفاء ببيعتهم لي ، والترك لنقضهم عهد الله عزّ وجلّ فيَّ ، وأعطيتهم من نفسي كلّ الذي قدرت عليه ، وناظرت بعضهم فرجع ، وذكّرت فذكر . ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلاّ جهلاً وتمادياً وغيّاً ، فلمّا أبوا إلاّ هي ، ركبتُها منهم ، فكانت عليهم الدَّبْرة ( 2 ) ، وبهم الهزيمة ، ولهم الحسرة ، وفيهم الفناء والقتل . وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدّاً ، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أوّلاً ؛ من الإغضاء والإمساك ، ورأيتني إن أمسكت كنت معيناً لهم عليَّ بإمساكي على ما صاروا إليه ، وطمعوا فيه من تناول الأطراف ، وسفك الدماء ، وقتل الرعيّة ، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال ، كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأُمم الخالية ، فأصير إلى ما كرهت أوّلاً وآخراً . وقد أهملتُ المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ، ولم
هامش
( 1 ) الفيافي : البراري الواسعة ، جمع فيفاء ( النهاية : 3 / 485 ) . ( 2 ) الدَّبْرَة : نقيض الدولة ، والعاقبة ، والهزيمة في القتال ( القاموس المحيط : 2 / 26 ) .