باتّجاه تمهيد الأجواء للاصطدام العسكري المباشر معه بذريعة الطلب بدم
عثمان ، ومن ثمّ تهيئة المناخ اللازم لوصول معاوية نفسه إلى السلطة .
كثيرة هي الوثائق التأريخيّة التي تثبت صحّة هذا الادّعاء ( 1 ) . فقد انتهج معاوية
هذه السياسة الشيطانيّة بوضوح حتى قبل مقتل عثمان ، حينما تباطأ عن نصرته .
وقد بلغ من شدّة جلاء هذا الأمر أنّ عثمان حينما رأى إهمال معاوية لمؤازرته
برغم إصراره في أن يبعث إليه بقوّة تحميه في مقابل الثائرين ؛ قال له صراحة :
" أردت أن أُقتل فتقول : أنا وليّ الثأر " ( 2 ) !
2 - دفع الإمام للحديث ضدّ الخلفاء
يعرف معاوية جيّداً أنّ عليّاً ( عليه السلام ) يعدّ نفسه هو الخليفة بلا فصل بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وأنّ
الإمام يعتقد بأنّه قد أصابه الظلم في هذه الواقعة ، ولذلك اعتصم بالمقاومة وامتنع
عن بيعة أبي بكر ما كانت زوجته فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بضعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) على قيد
الحياة . بيدَ أنّ الإمام لم يكن يرى من المصلحة أن يجهر بهذا الأمر ، لما يفضي إليه
ذلك من وقوع الفرقة في المجتمع الإسلامي ، وتصدّع الكيان السياسي
للمسلمين .
هامش
( 1 ) قال البلاذري في أنساب الأشراف : بعث معاوية النعمان بن بشير الأنصاري وأبا هريرة الدوسي بعد
أبي مسلم الخولاني إلى عليّ يدعوانه إلى أن يسلّم قتلة عثمان بن عفّان ليُقتلوا به فيصلح أمر الناس
ويكفّ الحرب ، وكان معاوية عالماً بأنّ عليّاً لا يفعل ذلك ، ولكنّه أحبّ أن يشهد عليه عند أهل الشام
بامتناعه من إسلام أُولئك والتبرّي منهم ، فيشرع له أن يقول : إنّه قتله ، فيزداد أهل الشام غيظاً عليه
وحنقاً وبصيرةً في محاربته وعداوته . فلمّا صارا إليه فأبلغاه ما سأله معاوية امتنع من إجابتهما إلى
شيء ممّا قدما له ، فانصرف أبو هريرة إلى الشام ، فأمره معاوية بأن يعلم الناس ما كان بينه وبين عليّ
( أنساب الأشراف : 3 / 205 ) .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 175 .