ولهذا لم تكَد تمضي أيّام قلائل على حكومة الإمام صلوات الله عليه حتى
بدأت المواجهات ، وتكشّفت الذرائع والحجج الواهية التي اتّصلت فصبغت
السنوات الخمس - التي هي مدّة حكم الإمام ( عليه السلام ) - بصِبغة الحروب والدماء .
وكانت تلك المواجهات عسيرة ثقيلة إذا ما نظرنا إلى جذورها ، وكيفيّة تبلور
الكيان الذي كان عليه مُوقدوها ، لا سيما أصحاب الجمل والنهروان ، وأصحر
الإمام ( عليه السلام ) بذلك مراراً ، فقال : " لو لم أكُ فيكم ما قُوتل أصحاب الجمل وأهل
النهروان ! " ( 1 ) .
وقال : " إنّي فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، بعد أن
ماج غَيهَبها ( 2 ) ، واشتدّ كَلَبُها ( 3 ) " ( 4 ) .
تُرى ! من كان قادراً على إبصار ذلك السحاب المركوم من الأفكار الفاسدة ،
والجهل المطبق ، والشرك المعقّد ، في ظلّ العناوين البرّاقة الخادعة ؛ كعنوان :
الصحابة ، وعنوان السابقين ، ووجوه المتنسّكين الجهلة المتحجّرين أصحاب
الجباه التي أثفنها السجود ؟ ! ومن كان متمكّناً من الأمر بقمع هؤلاء وإبادتهم ؟ !
أجل ، كان عمل عليّ ( عليه السلام ) عملاً عسيراً ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يرى ذلك كلّه في
هامش
( 1 ) الغارات : 1 / 7 وص 16 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 193 ، كتاب سليم بن قيس : 2 / 870 / 48 نحوه ،
بحار الأنوار : 33 / 366 / 559 ؛ خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 324 / 188 ، كنز العمّال :
11 / 298 / 31565 .
( 2 ) الغَيهَب : الظُّلمة ( لسان العرب : 1 / 653 ) .
( 3 ) الكَلَب : داء يعرض للإنسان من عضّ الكَلْب الكَلِب ، فيصيبُه شبه الجنون فلا يَعضّ أحداً إلاّ كَلِبَ ،
ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشاً ( لسان العرب : 1 / 723 ) .
( 4 ) نهج البلاغة : الخطبة 93 ، الغارات : 1 / 6 ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 193 ، بحار الأنوار :
41 / 348 / 61 ؛ ينابيع المودّة : 3 / 433 / 3 .