الرماح ؛ فإنّه أموَرُ ( 1 ) للأسنّة . وغُضُّوا الأبصار ؛ فإنّه أربَطُ للجَأش ، وأسكنُ
للقلوب . وأميتوا الأصوات ؛ فإنّه أطرَدُ للفشل . ورايتَكم فلا تُميلوها ، ولا
تُخلّوها ، ولا تجعلوها إلاّ بأيدي شُجعانِكم والمانعين الذِّمارَ منكم ؛ فإنّ
الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم ، ويكتنفونها ؛ حَفافَيها
ووراءها وأمامها ، لا يتأخّرون عنها فيُسلِموها ، ولا يتقدّمون عليها فيُفردوها .
أجزأ امرؤ قِرنَه ( 2 ) ، وآسى أخاه بنفسه ، ولم يكِل قِرنَه إلى أخيه ، فيجتمعَ عليه
قرنُه وقرنُ أخيه . وأيم الله لئن فررتُم من سيف العاجلة لا تَسلموا من سيف
الآخرة ، وأنتم لَهاميمُ ( 3 ) العرب ، والسنام الأعظم ؛ إنّ في الفرار مَوجِدة الله ، والذلّ
اللازم ، والعار الباقي . وإنّ الفارّ لَغيرُ مَزيد في عمره ، ولا محجوز بينه وبين يومه .
مَن الرائحُ إلى الله كالظمآن يَرِد الماء ؟ الجنّةُ تحت أطراف العوالي ! اليوم تُبلى
الأخبار ! والله لأَنا أشوقُ إلى لقائهم منهم إلى ديارهم ! !
اللهمّ فإن ردّوا الحقَّ فافضُض جماعتَهم ، وشتِّت كلمتَهم ، وأبسلهم
بخطاياهم ، إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دِراك ؛ يخرجُ منهم النسيمُ ،
وضرب يَفلق الهامَ ، ويُطيح العظامَ ، ويُندِر ( 4 ) السواعدَ والأقدامَ ، وحتى يُرمَوا
بالمناسِرِ تتبعها المَناسِر ، ويُرجَموا بالكتائب تقفوها الحلائب ، وحتى يُجرَّ
ببلادهم الخميسُ يتلوه الخميسُ ، وحتى تَدعقَ ( 5 ) الخيول في نواحر أرضهم ،
هامش
( 1 ) مارَ الشيء يَمورُ مَوراً : تَرَهْيَأ ؛ أي تحرّك وجاء وذهب كما تتكفّأ النخلة العيدانة ( لسان العرب : 5 / 186 ) .
( 2 ) أجزأه الشيء : كفاه ( لسان العرب : 1 / 46 ) .
( 3 ) لِهْميم ولُهْموم : جواد سابق يجري أمام الخيل ؛ لالتهامه الأرض ، الجمع لَهاميم ( لسان العرب : 12 / 554 ) .
( 4 ) نَدَر الشيءُ يَندُرُ نُدوراً : سقط ( لسان العرب : 5 / 199 ) .
( 5 ) قال الشريف الرضي : الدعق : الدقّ ؛ أي تدقّ الخيول بحوافرها أرضهم . ونَواحرُ أرضهم : متقابلاتها ،
ويقال : منازل بني فلان تتناحر ، أي تتقابل ( نهج البلاغة : ذيل الخطبة 124 ) .