أبَعدَ الذي قلتم ؟ ! . . . أوَ بَعد ماذا ؟ !
يا للعجب ويا للأسف ! ! فهل هناك موضع للكتابة بعد أن اتّهموا الرسول ( صلى الله عليه وآله )
بأنّه يهجر ؟ فإذا كان قول الرسول يُتجاهل ، ويوصف بالهذيان في حياته ، وهو
الذي نزّهه القرآن عن الخطأ بقوله : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى ) ( 1 )
فلا بدّ وأن يكون سائر كلامه موضع تشكيك من بعد وفاته . ويظهر من هذا الكلام
والأجواء التي تمخّضت عنه ، ما يلي :
1 - إنّ المعارضين لخلافة الإمام عليّ ( عليه السلام ) كانوا جادّين في موقفهم ، ولم
يتوّرعوا حتى عن النيل من الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في سبيل هذه الغاية .
2 - لم يكن للكتابة تأثير حينذاك ، وذلك لأنّهم كانوا سيُشيعون هذا الكلام
وهذا الرأي بين الناس ، ويُبطلون بذلك أيّ أثر لكتابة الصحيفة .
3 - لعلّ أهمّ ما كان يتمخّض عن ذلك هو أن لا يصل الإمام إلى الخلافة ، بل
وكانت تضيع كلّ تعاليم الرسول ، ويقع التشكيك في حجّيّتها ، وتضمحلّ أوامره
ونواهيه في خضمّ الأخذ والردّ . والحقيقة هي أنّ اتّهام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بالهذيان يعتبر
من أكثر الحوادث مثاراً للحزن والألم والمرارة في تاريخ الإسلام . ولعلّ أبلغ ما
يعبّر عن ذلك هو كلام ابن عبّاس الذي كان يبكي ويقول :
" إنّ الرزيّة كلَّ الرزيّة ما حال بين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبين أن يكتب لهم ذلك
الكتاب ! "
والأمر المثير أنّه بعد سنتين من ذلك التاريخ حينما كان أبو بكر في اللحظات
الأخيرة من حياته يعيش في حالة إغماء ولا قدرة له على الكلام نصّب عمر بن
هامش
( 1 ) النجم : 3 و 4 .