بينما في آخر لحظات عمر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فإنّ الوصيّة كانت تلقى أجواءً أفضل
للقبول ، ومن الطبيعي أنّ القائد الذي شارف على الرحيل من هذه الدنيا بعد
سنوات من الجهد في سبيل توطيد ركائز الدين ، لابدّ أنّ يضع خطّة للمستقبل
يضمن فيها بقاء الدين ومصلحة الأُمّة ، ولو أنّ الوجوه البارزة ما كانت لتثير
الاختلاف واللغط وتعكّر صفو الماء لكان الاحتمال قويّاً بأن لا يجد الذين
أسلموا حديثاً فرصة للمناورة .
وعلى هذا المنوال عزم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على أصل الوصيّة وكتابتها من جهة ،
وسعى من جهة أُخرى من خلال أمره بتجهيز سريّة أُسامة لإبعاد أصحاب
الادّعاءات ومثيري الضجيج عن الساحة في سبيل توفير الأجواء لطرح المسألة
نهائيّاً . ولا شكّ أنّ سريّة أُسامة لو كانت سارت على وجهتها ، وأُبعد مثيرو الشغب
عن الساحة لكانت الوصيّة قد كُتبت ، والخلافة الحقّة قد استُتبّت ، ولقُضي على
كل ما يُعكّر صفو الأجواء ، قبل عودتهم ( 1 ) .
ولكن لماذا لم يُصرّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) على ما طلب ، ولم يستثمر الفرصة المتبقّية لكتابة
الوصيّة ؟
يكفي النظر إلى ما قيل حول المسألة للعثور على الجواب ، وسبب ذلك يعود
- كما صرّح به مفكّر بارع ( 2 ) - إلى أنّهم جرّدوه من العصمة من الضلال بقولهم :
" هجر " ! ! ولهذا قال لهم فيما رواه ابن عبّاس بعد أن هدأت الضجّة وقالوا له : ألا
نأتيك بما طلبتَ ؟ قال :
هامش
( 1 ) انظر في هذا المجال قول عمر " فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة " مجمع الزوائد : 8 / 609 / 14257 .
( 2 ) سعيد أيّوب في معالم الفتن : 1 / 263 .