عمليّة كثيرة - أن نتصوّر الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) يختار السلبيّة ، ويترك مثل هذا
المجتمع للمجهول ، ويدع تحديد مصيره إليه ، دون أن يحمل همّ المستقبل !
ب - عدم نضج المجتمع
ركّزنا في نهاية النقطة السابقة على أنّ ورثة هذه الرسالة التغييريّة الشاملة لا
يتمتّعون بقاعدة فكريّة وسياسيّة صلبة تسمح لهم أن يفكّروا بالمستقبل ،
ويتدبّروا أمره بشكل هادئ رصين ؛ فبقايا الجاهليّة لا تزال تملك أقداماً راسخة ،
ولا تزال العصبيّات القبليّة تستأثر بنفوذ كبير في وجودهم .
كما أشرنا إلى أنّهم لا يمتلكون الإدراك الكافي لمعرفة موقع رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
والمكانة العليّة السامقة التي يحظى بها النبيّ ، فهم تارة ينظرون إليه بشراً عاديّاً
يتكلّم في الرضى والغضب ( 1 ) ، وأُخرى يحثّونه على التزام العدالة ! وثالثة تثقل
عليهم قراراته وما يأتي به - عن السماء - من أحكام حتى يستريبوا في أصل
الرسالة ! ( 2 )
فبعد هذا كلّه ، هل من المنطقي أن يكل النبيّ القائد أزمّة الأُمور ومستقبل
الرسالة بيد مجتمع كهذا ، ثمّ يمضي قرير العين إلى ربّه !
ج : المنافقون والتيّارات الهدّامة من الداخل
اصطفّ كثيرون لمواجهة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومناهضة رسالته ، وهو في ذروة قوّته ،
وفي أثناء ممارسته لحاكميّته . ومع أنّ هؤلاء كانوا يتظاهرون بالإيمان إلاّ أنّهم
هامش
( 1 ) المستدرك على الصحيحين : 1 / 187 / 359 ، المصنّف لابن أبي شيبة : 6 / 229 / 4 .
( 2 ) راجع : القسم السادس / وقعة النهروان / دراسة حول المارقين وجذور انحرافهم ، ولمزيد الاطّلاع
على طبيعة تعامل الصحابة مع النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) راجع : كتاب " النصّ والاجتهاد " .