كنت والله يعسوباً للدين أوّلا وآخراً الأوّل حين تفرّق الناس ، والآخر حين
فشلوا . كنت للمؤمنين أباً رحيماً إذ صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما عنه
ضعفوا ، وحفظت ما أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وشمّرت إذ اجتمعوا ،
وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ أسرعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، ونالوا بك ما
لم يحتسبوا .
كنت على الكافرين عذاباً صباً ونهباً وللمؤمنين عمداً وحصناً ، فطرت والله
بنعمائها وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابقها وذهب بفضائلها ، لم تفلل حجتك
ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم تخرّ .
كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف وكنت كما قال ( 1 ) : أمن الناس في صحبتك
وذات يدك . وكنت كما قال : ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله متواضعاً في
نفسك عظيماً عند الله كبيراً في الأرض جليلا عند المؤمنين ، لم يكن لأحد فيك
مهمز ولا لقائل فيك مغمز ، ولا لأحد فيك مطمع ، ولا لأحد عندك هوادة ،
الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتى تأخذ له بحقّه ، والقويّ العزيز عندك
ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحقّ ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء ،
شأنك الحقّ والصدق والرفق ، وقولك حكم وحتم ، وأمرك حلم وحزم ،
ورأيك علم وعزم فيما فعلت ، وقد نهج السبيل وسهل العسير وأُطفئت النيران
واعتدل بك الدين وقوي بك الإسلام فظهر أمر الله ولو كره الكافرون وثبت بك
الإسلام والمؤمنون ، وسبقت سبقاً بعيداً وأتعبت من بعدك تعباً شديداً ،
فجللت عن البكاء وعظمت رزيّتك في السماء وهدّت مصيبتك الأنام ، فإنّا لله
وإنّا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاه وسلّمنا لله أمره ، فوالله لن يصاب
المسلمون بمثلك أبداً .
كنت للمؤمنين كهفا وحصناً وقنّةً راسياً ، وعلى الكافرين غلظة وغيظاً ،
فألحقك
هامش
( 1 ) أي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حقّك .