ومتنزه حسن على أميال من القسطنطينية راكبة على الخليج ، وكان البطريق أكثر أوقاته في ذلك المتنزه ، وكانت الضيعة مما يلي فم الخليج ( 1 ) مما يلي بحر الروم والقسطنطينية ، فانصرف الصوري إلى معاوية سراً ، وأخبره بالحال ، فأحضر معاوية بساطاً بوسائد ومخادّ ومجلس ، فانصرف به الصوري مع جميع ما طلب منه من دار الإسلام ، وقد تقدم اليه معاوية بالحيلة وكيفية إيقاعها ، وكان الصوري فيما وصفنا من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة وفي العشرة ، وفي الروم طمع وشرَه ، فلما دخل من البحر إلى خليج القسطنطينية - وقد طابت له الريح وقد قرب من ضيعة البطريق - أخذ الصوري خبر البطريق من أصحاب القوارب والمراكب ، فأخبر أن البطريق في ضيعته ، وذلك أن الخليج طوله نحو من ثلاثمائة ميل وخمسين ميلًا بين هذين البحرين وهما الرومي ومانطس ، على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ، والضياع والعمائر على هذا الخليج من حافتيه . والمراكب تختلف والقوارب بأنواع المتاع والأقوات إلى القسطنطينية ، وهذه المركب لا تحصى ( 2 ) في هذا الخليج كثرة ، فلما علم الصوري أن البطريق في ضيعته فرش ذلك البساط ونضد ذلك الصدر والمجلس بالوسائد والمخادِّ في صحن المركب ومجلسه والرجال تحت المجلس بأيديهم المجاذيف مشكلة قائمة غير قاذفين بها ، ولا يعلم بهم أنهم في بطن المركب إلا من ظهر منهم في المركب عمله ، والريح في القلع ، والمركب مار في الخليج كأنه سهم قد خرج من كبد قوس لا يستطيع القائم على الشط أن يملأ بصره منه ، لسرعة سيره واستقامته في جريه ، فأشرف على قصر البطريق وهو جالس في مستشرفه مع حرمه وقد أخذت منه الخمر وعلاه الطرب وذهب به الفرح والسرور كل مذهب ، فلما رأى البطريق
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 129
مساهمون: المسعودي
ص١٢٩
هامش
( 1 ) في نسخة : فيما بين فم الخليج .
( 2 ) في نسخة : من هذه العمائر لا تحصى هذه المراكب في هذه الخليج .