لهو الأمين وقت الحصار : وذكر إبراهيم بن المهدي قال : استأذنت على الأمين يوماً ، وقد اشتد الحصار عليه من كل وجه ، فأبوا ان يأذنوا لي بالدخول عليه ، إلى أن كاثرت ( 1 ) ودخلت ، فإذا هو قد تطلع إلى دجلة بالشباك ، وكان في وسط قصره بركة عظيمة لها مخترق إلى الماء في دجلة ، وفي المخترق شباك حديد ، فسلمت عليه وهو مقبل على الماء والخدم ، والغلمان قد انتشروا إلى تفتيش الماء وهو كالواله ، فقال لي وقد ثنيت بالسلام وكررت : لا تدري ( 2 ) يا عمي ، فمقرطتي قد ذهبت في البركة إلى دجلة ، والمقرطة : سمكة كانت قد صيدت له وهي صغيرة فقرَّطها حلقتين من ذهب فيهما حبتا در ، وقيل : ياقوت ، قال : فخرجت وأنا آيس من فلاحه ، وقلت : لو ارتدع من وقت لكان هذا الوقت . صفات الأمين : وكان محمد في نهاية الشدة والقوة والبطش والبهاء والجمال ، الا انه كان عاجز الرأي ، ضعيف التدبير ، غير مفكر في أمره . وحكي انه اصطبح يوماً ، وقد كان قد خرج أصحاب اللبابيد والحراب على البغال - وهم الذين كانوا يصطادون السباع - إلى سبع كان بلغهم خبره بناحية كوثى والقصر ، فاحتالوا في السبع إلى أن أتوا به في قفص من خشب على جمل بُخْتى ، فحُط بباب القصر وأدخل ، فمثل في صحن القصر والأمين مصطبح ، فقال : خلوا عنه وشيلوا باب القفص ، فقيل له : يا أمير المؤمنين إنه سبع هائل أسود وحش ، فقال : خلوا عنه ، فشالوا باب القفص ، فخرج سبع أسود له شعر عظيم مثل الثور ، فزأر وضرب بذنبه إلى الأرض فتهارب الناس ، وغلقت الأبواب في وجهه ، وبقي الأمين وحده جالساً في موضعه غير مكترث بالأسد ، فقصده الأسد حتى دنا منه ، فضرب الأمين بيده إلى مرفقة أرمنية ، فامتنع منها بها ، ومد السبع يده اليه ، فجذبها
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 394
مساهمون: المسعودي
ص٣٩٤
هامش
( 1 ) في نسخة : كابرت .
( 2 ) في نسخة : لا تؤذوني فمقرطتي .