فأسكتها وزأرها ( 1 ) وعاد إلى حالته الأولى ، فسليناه حتى عاد إلى الضحك ، فأقبل عليها الثالثة فقال : غني فغنت :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيسٌ ولم يسْمُر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
صروفُ الليالي والجدودُ العواثر
وقيل : بل إنها غنت :
أما وربّ السكون والحرَك
ان المنايا كثيرة الشرك
فقال لها : قومي عني فعل الله بك كذا وكذا وصنع بك ، فقامت فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته ، فانهرق الشراب ، وكانت ليلة قمراء ، ونحن على شاطئ دجلة في قصره المعروف بالخلد ، فسمعنا قائلا يقول :
( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) قال ابن المهدي : فقمت وقد وثب ، فسمعت منشداً من ناحية القصر ينشد هذين البيتين :
لا تعجَبنَّ من العجَب
قد جاء ما يقضي العجب
قد جاء امر فادحٌ
فيه لذي عجب عجب
قال : فما قعدنا معه بعدها إلى أن قتل .
وكان الأمين معجباً بأم ولده نظم وهي أم موسى الذي كان سماه الناطق بالحق ، وأراد خلع المأمون والعَقْدَ له من بعده ، فهلكت أم موسى نظم ، فجزع عليها جزعاً شديداً ، فلما اتصل الخبر بأم جعفر زبيدة قالت : احملوني إلى أمير المؤمنين ، فحملت إليه ، فاستقبلها وقال : يا سيدتي ماتت نظم ، فقالت :
نفسي فداؤك لا يذهب بك اللهفُ
ففي بقائِكَ مما قد مضى خلف
عوِّضت موسى فهانت كل مرزئة
ما بعد موسى على مفقودة أسف
هامش
( 1 ) في نسخة : وزجرها .