أهل خراسان - فإنه حضر وهو مُعتم مُتلثم ، فلما نظر إلى القوم قد وثبوا على المنصور تقدم : ثم جعل يضربهم بالسيف قدامه ، فلما أفرجوا وتفرقوا عنه قال : من أنتَ ؟ فحسر عن وجهه وقال : انا طلبتُك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة ، فلما انصرف المنصور آمنه وحباه واكرمه وكساه ورتبه .
ودخل معن بن زائدة يوماً على المنصور ، فقال له : ما اسرع الناس إلى حسد قومك ! فقال : يا أمير المؤمنين
إن الغرانيقَ تلقاها محسَّدَة
ولن ترى للئام الناس حُسَّادا
المنصور يقع بين يديه سهم كتب عليه شعر وظلامة :
وذكر ابن عياش المنتوف ان المنصور كان جالساً في مجلسه المبني على طاق باب خراسان من مدينته التي بناها وأضافها إلى اسمه ، وسماها مدينة المنصور ، مُشرفاً على دجلة ، وكان قد بني على كل باب من أبواب المدينة في الأعلى من طاقه المعقود مجلساً يُشرف منه على ما يليه من البلاد من ذلك الوجه ، وكانت أربعة أبواب شوارع محدقة وطاقات معقودة ، وهي باقية إلى وقتنا هذا الذي هو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، فأول أبوابها باب خراسان ، وكان يسمى باب الدولة لإقبال الدولة العباسية من خراسان ، ثم باب الشام ، وهو تلقاء الشام ، ثم باب الكوفة ، وهو تلقاء الكوفة ، ثم باب البصرة ، وهو تلقاء البصرة ، وقد أتينا على كيفية خبر بناء تلك المدينة ، واختيار المنصور لهذه البقعة بين دجلة والفرات ودجيل والصَّراة ، وهذه انهار تأخذ من الفرات ، واخبار بغداد وعلة تسميتها بهذا الاسم ، وما قاله الناس في ذلك ، وخبر القبة الخضراء وسقوطها في هذا العصر ، وقصة قبة الحجاج الخضراء التي كان الحجاج بناها بواسط العراق ، وبقاؤها إلى ذلك الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، في كتابنا الأوسط الذي كتابنا هذا تال له ، فبينما المنصور جالس في هذا المجلس من أعالي باب خراسان إذ جاء سهم عائر حتى سقط بين يديه ، فذعر منه المنصور ذعراً شديداً ثم اخذه فجعل يقلبه فإذا هو مكتوب عليه بين الريشتين :