مات بدائه ثم أقبل عبد الملك يذم الدنيا فقال : إن طويلك لقصير ، وإن كثيرك لقليل ، وان كنا منك لفي غرور ، ثم اقبل على جميع ولده فقال :
أوصيكم بتقوى الله فإنها عصمة باقية ، وجُنة واقية ، فالتقوى خير زاد ، وأفضل في المعاد ، وهي أحصن كهف ، وليعطف الكبير منكم على الصغير ، وليعرف الصغير حق الكبير مع سلامة الصدور ، والأخذ بجميل الأمور ، وإياكم والبغي والتحاسد ، فيهما هلك الملوك الماضون ، وذوو العز المكين ، يا بنيّ أخوكم مسلمة نابكم الذي تفترون عنه ، ومجنكم الذي تستجنون به ، اصدُروا عن رأيه ، وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم هذا الأمر ، وكونوا أولادا ابراراً ، وفي الحروب احراراً ، وللمعروف مناراً ، وعليكم السلام .
وسأله بعض شيوخ بني أمية - وقد فرغ من وصية أولاده هذه - قال :
كيف تجدك يا أمير المؤمنين : قال : كما قال الله عز وجل : ( ولقد جئتمونا فرَادى كما خلقناكم أول مرة ، وتركتم ما خلوناكم وراء ظهوركم ) إلى قوله ( وما كنتم تزعمون ) فكان هذا آخر كلام سمع منه .
فلما قضى سجّاه الوليد ، ثم صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال :
لم أر مثلها مصيبة ، ولا مثلها نعمة ، فقدت الخليفة ، وتقلدت الخلافة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة ، والحمد لله رب العالمين على النعمة ، ثم دعا الناس إلى بيعته فبايعوا ، ولم يختلف عليه أحد .
موت عبيد الله بن العباس :
ومات في أيام الوليد عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، وذلك في سنة سبع وثمانين ، وكان جواداً كريماً ، وذكر أن سائلًا وقف عليه فقال له : تصدق مما رزقك الله ، فإني نبئت ان عبيد الله بن العباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر اليه ، فقال : وأين أنا من عبيد الله ؟ قال له : وأين أنت منه في الحسب أم في كثرة المال ؟ قال : فيهما
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 161
مساهمون: المسعودي
ص١٦١